
كيف تغتال “المثالية الرقمية” الزواج الحقيقي؟
بقلم: مجدي غلاب
في زاوية هادئة من غرفة المعيشة، يسطع ضوء أزرق خافت من شاشتين متجاورتين.
زوجٌ وزوجة يجلسان على أريكة واحدة، تفصل بين جسديهما سنتيمترات قليلة.
لكن العقول والقلوب تفصل بينها محيطات من العزلة، وسنوات ضوئية من الصمت.
الزوج يمرر إصبعه بآلية عبر مقاطع فيديو لا تنتهي، يبتلع محتوى تلو الآخر دون تركيز.
والزوجة تتأمل بشغف صوراً لصديقات أو “مؤثرات” يحتفلن بعيد زواجهن في جزر استوائية أو مطاعم فاخرة.
لا كلمة تُقال، ولا نظرة تتقاطع، فقط صوت نقرات الأصابع المكتومة على الزجاج البارد.
وفجأة، وكأن مخرجاً خفياً أعطى إشارة البدء، يقتربان لثوانٍ معدودة.
يعدلان من جلستهما، ترسم هي ابتسامة هوليودية متقنة، ويحيط هو كتفها بذراعه في مشهد درامي.
تلتقط الكاميرا الأمامية اللقطة، يختاران “الفلتر” الأنسب لإخفاء إرهاق اليوم وتجاعيد الملل.
تُكتب الكلمات المعتادة: “عشائي الهادئ مع حب عمري”، مصحوبة بقلوب حمراء ووسم “أهداف العلاقات”.
يُضغط زر النشر، وما إن تنطلق الصورة إلى الفضاء الرقمي، حتى يسدل الستار فوراً.
تتلاشى الابتسامات كأنها لم تكن، ينكمش كل منهما في زاويته، ويعودان إلى عزلتهما الباردة.
يجلسان في صمت تام، يراقبان الشاشات، بانتظار “اللايكات” والإشعارات التي ستثبت للعالم أنهما سعيدان.
هذا المشهد السريالي ليس مقطعاً من مسلسل خيال علمي يستشرف مستقبلاً بائساً.
بل هو “الواقع السريري” اليومي الذي يتنفسه ويحياه ملايين الأزواج في عصرنا الحالي.
لقد تحول الزواج من ميثاق غليظ وسكن داخلي عميق، إلى عرض مسرحي مفتوح على مدار الساعة.
عرض مسرحي الجمهور فيه هو الحكم، والوقود الذي يحركه هو الإشعارات وتعليقات الغرباء.
لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن فقط في أولئك الذين يشاركون يومياتهم ويزيفون سعادتهم.
بل تكمن في ملايين المتفرجين الصامتين القابعين خلف الشاشات، الذين يستهلكون هذا الوهم.
الزوجة التي تجلس في بيتها الهادئ والمستقر، تتصفح تطبيق “إنستغرام” قبل النوم.
تشاهد مقطعاً لزوج يفاجئ زوجته بسيارة فارهة، أو بهدية باهظة الثمن بلا مناسبة، وسط الورود.
في هذه اللحظة بالذات، تتعرض هذه الزوجة (وكذلك الزوج الذي يشاهد حياة الآخرين) لاختراق نفسي خطير.
هذه العملية تُعرف في علم النفس بـ “الحرمان النسبي” أو الفقر العاطفي المقارن.
أنت لست محروماً في الواقع؛ فبيتك دافئ، وزوجتك مخلصة، وزوجك يكافح لتوفير حياة كريمة.
ولكن بمجرد أن تقارن حياتك الواقعية العادية، المليئة بالملل والمشاكل الطبيعية.
بـ “أبرز اللقطات المعدلة والمزيفة” لملايين البشر، تشعر فجأة بالضآلة والتعاسة.
يبدأ عقلك بالهمس السام: “حياتي مملة! زواجي فاشل! أنا لا أعيش قصة حب حقيقية مثلهم!”.
وسائل التواصل الاجتماعي تخلق حالة من المثالية البلاستيكية التي لا وجود لها على كوكب الأرض.
هذه المنصات تتعمد حذف الكواليس الحقيقية التي يتكون منها أي زواج طبيعي في التاريخ البشري.
إنها تحذف مشاهد الخلافات الصامتة حول ميزانية الشهر، وفواتير الكهرباء، وأقساط المدارس.
تحذف ليالي السهر الطويلة مع طفل مريض يرتجف من الحمى.
تحذف الإرهاق الجسدي بعد وردية عمل طويلة، حيث لا يملك الزوجان طاقة حتى لتبادل الحديث.
وعندما يغيب هذا الواقع الإنساني عن الشاشات، يبدأ الأزواج العاديون في الانخداع.
يبدأون في الاعتقاد بأن “الملل” الطبيعي في زواجهم هو علامة مؤكدة على الموت العاطفي للعلاقة.
يخلطون بين التحديات الطبيعية لأي شراكة بشرية، وبين الفشل الذريع الذي يستوجب الهروب.
دعونا نُشرّح هذه المأساة العصبية بمشرط العلم والتكوين الكيميائي لأدمغتنا.
العلاقات التي نراها على الشاشات مصممة لفرز هرمون “الدوبامين”.
وهو هرمون المكافأة السريعة، الإثارة، الانتباه الفوري، والنشوة المؤقتة.
الدوبامين صاخب، ملون، يجذب الانتباه، ولكنه يحترق بسرعة ويترك وراءه فراغاً قاتلاً وجوعاً للمزيد.
أما الزواج الحقيقي، المستقر والممتد لسنوات، فهو يُبنى كيميائياً على هرمون “الأوكسيتوسين”.
وهو هرمون الارتباط، الثقة، الأمان العميق، والسكن النفسي الهادئ.
الأوكسيتوسين لا يلمع في الصور، ولا يجلب آلاف الإعجابات، لأنه لا يصنع “تريند”.
لكنه هو المادة الإسمنتية الحقيقية التي تبني البيوت المتينة، وتمنعها من الانهيار عند أول عاصفة.
المشكلة أن الجيل الحالي أصبح مدمناً على “الدوبامين الرقمي” السريع.
يدخلون مؤسسة الزواج وهم يتوقعون أن تستمر “الفراشات في البطن” إلى الأبد دون توقف.
وعندما يواجهون أول اختلاف طبيعي في وجهات النظر، يظنون أنهم اختاروا الشخص الخطأ.
هناك جريمة أخرى ترتكبها هذه المنصات، وهي الترويج لخرافة “الروح التوأم” الخالية من العيوب.
الخوارزميات تقنعنا بأن هناك شخصاً واحداً مثالياً في هذا الكون، مفصلاً خصيصاً ليناسبنا.
شخص سيقرأ أفكارنا دون أن نتحدث، وسيلبي رغباتنا دون أدنى مجهود أو نقاش.
وإذا تطلب الزواج جهداً، وتنازلاً، وصبراً، ونقاشات مرهقة للوصول إلى حلول وسط..
فإن الخوارزمية تهمس في عقولنا: “هذا استنزاف! تخلّ عن هذه العلاقة وابحث عن توأم روحك الحقيقي”.
هذا الوهم يدمر فكرة “الالتزام” والعهد المشترك من جذورها العميقة.
يُحول الزواج من ميثاق يُبنى بالصبر والعمل، إلى سلعة استهلاكية قابلة للاستبدال الفوري.
استبدال بمجرد ظهور أي عيب بشري طبيعي في الشريك.
كيف ننجو إذن من هذه الحرب النفسية، ونحمي بيوتنا وقمرة قيادة عائلاتنا من هذا التدمير؟
أولاً: يجب أن ندرك بوعي وعقلانية، أن ما نراه على الشاشات هو محض انتقاء خادع.
إنها ليست الحقيقة، بل هي نسبة ضئيلة جداً من حياة أصحابها، وغالباً ما تكون مفتعلة للتباهي أو الربح.
ثانياً: يجب أن نعيد معايرة مقاييس النجاح الزوجي داخل عقولنا.
النجاح الزوجي لا يقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بنوع الهدايا التي تُعرض أمام الكاميرات.
النجاح الزوجي يُقاس بمن يمسك يدك في غرفة الطوارئ بالمستشفى في الثالثة فجراً وأنت تتألم.
يُقاس بمن يتحمل تقلباتك المزاجية في أوقات الضغط المالي وفقدان الوظيفة.
وبمن يشاركك كوب شاي صامت في نهاية يوم شاق، وتشعر معه بالأمان التام دون الحاجة للتبرير.
ثالثاً: علينا أن نمارس “الصيانة الباردة” والسرية لعلاقاتنا بعيداً عن أعين المتلصصين.
أن نحمي خصوصية بيوتنا بشراسة، ونرفض تحويل لحظات ضعفنا أو حبنا إلى مادة استهلاكية للجمهور.
رابعاً: القبول الواعي واحتضان فكرة “الملل الصحي” في العلاقات الطويلة.
الهدوء والروتين في الزواج ليسا دليلاً على الفشل، بل هما الدليل القاطع على غياب التهديد.
البيوت الآمنة والمستقرة لا تكون صاخبة ومليئة بالدراما طوال الوقت.
بل هي الملاذ الهادئ والمطمئن الذي نهرب إليه من صخب العالم الخارجي المتوحش.
في الختام، يجب أن نستيقظ من هذا التنويم المغناطيسي الجماعي الذي يسرق أعمارنا.
السوشيال ميديا ليست مرآة تعكس الواقع، بل هي عدسة مشوهة تضخم النقص وتغتال الرضا.
إنها تخلق توقعات مستحيلة لا يمكن لأي إنسان بشري أن يلبيها على أرض الواقع.
إذا أردت أن تنقذ زواجك الحالي، أو أن تبني زواجاً حقيقياً وصحياً في المستقبل.
فالخطوة الأولى والأهم هي أن تغلق الشاشة، وتفصل هذا التيار السام عن عقلك.
أن تتوقف عن النظر بحسرة إلى ما يملكه أو يدّعي امتلاكه الآخرون في العالم الافتراضي.
وتبدأ في النظر بعمق، وامتنان، ورحمة، إلى الشخص الذي يجلس أمامك في الغرفة.
أن تدرك أن الحب الحقيقي لا يُكتب في الهاشتاجات، ولا يُصنع بـ “الفلاتر” التجميلية.
الحب الحقيقي يُنحت بالصبر، بالتجاوز، وبالمواقف الصعبة التي لا يراها أحد.
بالتفاصيل اليومية البسيطة التي لا تستحق النشر على الشاشات.. ولكنها وحدها التي تستحق الحياة.
مع خالص تحياتي، وصدق كلماتي،
مجدي عبد البصير





