
عيالنا ال Gen z مع لغات العالم إلا لغتنا .
بقلم / نعمه حسن
حقيقة عيالنا بتكلموا لغة العالم كله… بس يا ترى لسه بيعرفوا يتكلموا معانا؟
قبل ما نبدأ… تعالى نعمل مع بعض المعجم الوسيط لفهم ابنك الـGen Z قبل ما تبلغ عنه باعتباره شخصًا مجهول الهوية.
لو قال لك على حاجة إنها Mid…
ما تقلقش، الحاجة ما اتكسرتش.
هو بس بيقول لك إنها عادية جدًا… لا حلوة ولا وحشة، يعني ما تستاهلش كل الهيصة اللي معمولة عليها.
ولو قال لك فلان عنده Rizz…
ما تسألوش: “عنده إيه يا ابني؟ هو تعبان؟”
لا يا سيدي.
Rizz يعني عنده كاريزما، بيعرف يجذب اللي قدامه ويتكلم بطريقة تخليه محبوب أو ملفت.
ولو بنتك قالت لك:
أنا Delulu.
ما تحجزيلهاش ميعاد عند دكتور.
هي غالبًا تقصد إنها عايشة شوية في الوهم… متخيلة سيناريو جميل ومصدقة إنه ممكن يحصل، حتى لو الدنيا كلها بتقول لأ.
يعني زمان كنا بنقول:
“سيبيها عايشة في أحلامها.”
دلوقتي بقت:
Delulu is the Solulu.
يعني الوهم نفسه بقى الحل!
طيب لو سمعت ابنك بيقول على حد:
He ate.
أرجوك ما تسألوش:
“أكل إيه؟”
الراجل ممكن يكون ما فطرش أصلًا.
He ate معناها إنه أبدع… عمل الحاجة بإتقان لدرجة إنه ما سابش لحد بعده حاجة يعملها.
ولو زوّد وقال:
He ate and left no crumbs.
يبقى الراجل مش بس أبدع…
ده كنس المسرح وراه كمان.
أما لو سمعت:
He’s cooked.
هنا برضه ما تدورش على الفرن.
المقصود إن الراجل خلاص… انتهى… اتحط في موقف ملوش مخرج، أو الدنيا قفلت معاه من كل ناحية.
يعني زمان كنا بنقول:
“الراجل راح في داهية.”
الجيل الجديد يقول لك بمنتهى الهدوء:
He’s cooked.
وعندنا بقى كلمة أصبحت تقريبًا بورصة قائمة بذاتها:
Aura.
الـAura عندهم هي الهيبة… الحضور… الثقة… الإحساس إن الشخص داخل المكان واخد اللقطة من غير حتى ما يتكلم.
فتلاقي واحد عمل حركة عظيمة يقولوا:
Aura +1000.
وقع وهو داخل؟
Aura -500.
حاول يعمل نفسه جامد والموضوع قلب عليه؟
وداعًا للـAura.
والأجمل من كده إن عندهم حاجة اسمها:
Aura farming.
يعني الواحد يعمل حركات محسوبة مخصوص عشان يجمع هيبة ونقاط كاريزما قدام الناس.
بالمصري القديم؟
بيعمل لقطة.
لكن واضح إن “بيعمل لقطة” ما كانتش تكنولوجية كفاية.
فتسمع الكلام ده كله وتقف لحظة وتقول:
هو أنا إمتى بقيت محتاج مترجم عشان أفهم ولادي؟
وتضحك.
والحقيقة إننا لازم نضحك.
لأن كل جيل كان له قاموسه.
إحنا كمان كان عندنا كلام أهلنا ما كانوش فاهمينه.
وكل جيل بيخترع تعبيراته واختصاراته وطريقته في الكلام.
ودي طبيعة اللغة.
اللغة كائن حي.
بتتحرك.
بتتغير.
تدخلها كلمات وتخرج منها كلمات.
وتتولد فيها تعبيرات جديدة طول الوقت.
يعني المشكلة مش في Mid.
ولا في Rizz.
ولا في Delulu.
ولا حتى في الراجل المسكين اللي كل شوية الـAura بتاعته تزيد وتنقص.
المشكلة تبدأ لما الكلام ده ما يبقاش مجرد إضافة طريفة إلى قاموس ابننا…
لكن اللغة الأصلية نفسها تبدأ تختفي من القاموس.
لما ابنك يعرف عشر كلمات بالإنجليزي يصف بيهم إحساس واحد…
وييجي عند العربي وما يلاقيش الكلمة.
لما يعرف يعبر عن إعجابه بالإنجليزي.
وغضبه بالإنجليزي.
وحبه بالإنجليزي.
وحزنه بالإنجليزي.
وحتى هزارُه بالإنجليزي…
ثم لما تطلب منه يحكي لك حاجة بعمق بالعربية تلاقيه بيتعثر.
هنا الموضوع ما بقاش مجرد لغة شباب.
هنا فيه سؤال أهم:
هو إحنا بنعلّم أولادنا لغات جديدة… ولا من غير ما ناخد بالنا بنعلّمهم إن لغتهم أقل؟
وأنا هنا لازم أوضح حاجة جدًا.
أنا من أكثر الناس إيمانًا بأهمية تعلم اللغات.
اللغة الإنجليزية مهمة جدًا.
والفرنسية والألمانية والإسبانية والصينية وغيرها أبواب ضخمة للعلم والعمل والثقافة.
اتعلموا.
وعلّموا أولادكم.
ولو ابنك يقدر يتقن لغتين وثلاثة وأربعة، يا سلام.
خليه يعرف العالم.
يقرأه.
يسافر له.
يتعامل معاه.
يدرس فيه.
وينافس ناسه.
لكن السؤال:
من قال إننا لكي نكسب لغة أخرى لازم نخسر لغتنا؟
دي المعادلة اللي عمري ما فهمتها.
ليه بعض الناس أول ما يتعلموا إنجليزي كويس يبدأ العربي عندهم فجأة يبقى “تقيل”؟
وليه واحد قاعد مع أهله وأصحابه، وكلهم عرب، وكلهم يفهموا بعض بالعربي…
ومع ذلك يصر يتكلم بالإنجليزية؟
أنا مش بتكلم عن كلمة فرضها الشغل.
ولا مصطلح ملوش ترجمة سهلة.
ولا حد عاش سنين بره واللغات اختلطت تلقائيًا على لسانه.
أنا بتكلم عن إنسان يتعمد أن يترك العربية في مكان لا توجد فيه أي ضرورة لذلك.
وهنا لازم نسأل نفسنا بمنتهى الصراحة:
هل اللغة أصبحت مجرد وسيلة تواصل؟
ولا بقت عند البعض وسيلة إعلان عن مستوى اجتماعي؟
لأن فيه فرق ضخم بين إنك تتقن الإنجليزية…
وبين إنك تحتاج الإنجليزية عشان تحس إنك أرقى من اللي حواليك.
الأولى علم.
والثانية عندي تستحق مراجعة حقيقية للنفس.
والإنسان الواثق من نفسه فعلًا لا يحتاج كل دقيقتين أن يثبت للناس أنه يعرف إنجليزي.
لأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج استعراضًا.
والثقافة الحقيقية لا تحتاج زيًا تنكريًا.
وأنا عندي في بيتي مثال شخصي أحب جدًا أذكره.
بنتي سافرت لندن.
ودرست هندسة الميكانيكا باللغة الإنجليزية.
وتخرجت بمرتبة الشرف.
واليوم تعمل معيدة في جامعة إنجليزية في مصر.
يعني دراستها الأكاديمية كلها تقريبًا بالإنجليزية.
محاضرات.
مراجع.
أبحاث.
مصطلحات هندسية.
نقاشات أكاديمية.
لغة عمل ودراسة يومية.
ومع ذلك…
بمجرد ما تخرج من الجامعة وتعود إلى بيتها…
تترك لسان الجامعة هناك.
وترجع تتكلم عربي.
بل وحتى مع زميلاتها العرب خارج إطار الجامعة، لغتها عربية.
ليه؟
لأن تعلم لغة أخرى لا يعني أن تتخلى عن لغتك.
ولأن اللي متمكن فعلًا من الإنجليزية مش محتاج يستعرض بيها على أهله وأصحابه.
واللي واثق فعلًا في نفسه مش شايف إن العربي ينقص منه.
بالعكس.
أنا أرى أن الإنسان الأكثر ثقة هو اللي يعرف يدخل أي قاعة في العالم ويتحدث لغتهم بطلاقة…
ثم يخرج منها ويرجع للغته بمنتهى الفخر.
لأنه عارف هو مين.
أما اللي يتمسك باللغة الإنجليزية وسط ناسه وأحبائه لمجرد أنها في نظره تمنحه وجاهة أو مكانة أعلى…
فأنا أعتقد أن عنده مشكلة أعمق من مجرد اختيار لغة.
لأن الواثق لا يحتاج أن يثبت ثقافته باللسان.
ولو كان الإنسان واثقًا فعلًا من نفسه وثقافته وعلمه…
كان الأولى أن يفتخر بلغته ويحافظ عليها ويفرض احترامها، لا أن يتصرف وكأنها شيء عليه أن يخفيه.
وهنا أيضًا لا أقول إن كل من يتحدث بالإنجليزية عنده نقص.
طبعًا لا.
ده تعميم ظالم.
أنا أتحدث تحديدًا عن الاستعراض المتعمد.
عن اللحظة اللي يبقى فيها كل الموجودين عربًا، والسياق عربيًا، ولا يوجد أي احتياج للإنجليزية…
ومع ذلك يرفض الشخص إلا أن يتحدث بها لأنه يشعر أنها تجعله “أشيك”.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
لأن اللغة لما تتحول إلى علامة طبقية…
الطفل بيلتقط الرسالة بسرعة جدًا.
لما طفل يقول:
Thank you
فتفرح الأسرة وكأنه اخترع علاجًا للسرطان…
لكن لو قال “شكرًا” ما حدش ياخد باله.
لما يقول:
Amazing
فيتحمسوا.
لكن “رائع” تبقى كلمة ثقيلة أو قديمة.
لما يقول:
I love you
فتبقى لطيفة.
أما “بحبك” فكأنها فجأة محرجة.
الطفل هنا لا يتعلم كلمات بس.
الطفل بيتعلم ترتيب قيمة اللغات في دماغه.
بيتعلم بالتدريج إن فيه لغة للرقي.
ولغة للبيت.
لغة للمدارس الغالية.
ولغة للشوارع.
لغة “شيك”.
ولغة أقل منها.
وهنا لازم نقف.
لأن اللغة مش مجرد أصوات بنطلعها من بوقنا.
اللغة ذاكرة.
اللغة بيت.
اللغة أمك وهي بتنادي اسمك.
وجدتك وهي بتدعي لك.
وأبوك وهو بيحكيلك حكايته للمرة العشرين.
والأغنية اللي سمعتها وأنت صغير.
والنكتة اللي لو ترجمتها تموت.
والمثل الشعبي اللي جملة واحدة منه تختصر تجربة أجيال.
والشعر.
والأدب.
والحكايات.
والأمثال.
والدعاء.
وهي قبل كل ده وبعده بالنسبة لنا لغة القرآن.
يعني إحنا مش بنتكلم عن وسيلة اتصال بس.
إحنا بنتكلم عن وعاء حضارة كاملة.
ولما طفل يبدأ يفقد لغته…
هو مش بيفقد شوية كلمات.
هو بالتدريج بيفقد مفاتيح أبواب كاملة.
هيقرأ قصيدة فلا يشعر بها.
يسمع مثلًا فلا يفهمه.
يقرأ نصًا قديمًا فيشعر أنه مكتوب بلغة غريبة عنه.
يقف أمام جزء من تاريخه ويحتاج مترجمًا بينه وبين أجداده.
ومع الوقت ممكن نوصل إلى إنسان عربي الاسم…
عربي الملامح…
مولود في بلد عربي…
لكن علاقته بالثقافة العربية تصبح علاقة سائح بمتحف.
يتفرج.
يتصور.
يمكن ينبهر.
ثم يخرج.
من غير ما يشعر إن ده بيته.
وده بالنسبة لي أخطر بكتير من دخول كلمة إنجليزية هنا أو هناك.
لأن فقدان الهوية عمره ما بيحصل مرة واحدة.
محدش بيصحى الصبح يقول:
أنا النهارده هتخلى عن هويتي.
الهوية أحيانًا بتخرج من الإنسان حتة حتة.
كلمة.
ثم عادة.
ثم شعور.
ثم نظرة دونية.
ثم يأتي جيل لا يشعر أصلًا أنه فقد شيئًا.
وانظروا إلى الشعوب اللي عندها ثقة في نفسها.
الفرنسي بيتعلم إنجليزي.
لكن نادرًا ما يشعر إن الفرنسية عائق في طريق تحضره.
الألماني يتعلم لغات.
والياباني يشتغل بأحدث تكنولوجيا في العالم.
والصيني يبيع للعالم كله.
والكوري يصدر ثقافته إلى العالم.
لكن محدش فيهم بيقول:
عشان أبقى عالمي لازم أتخلى عن لغتي.
ليه؟
لأن الأمم الواثقة تتعلم لغة العالم… ولا تستبدل بها صوتها.
وده اللي نفسي نفهمه.
أنا مش عايزة ابننا يقفل على نفسه ويقول:
أنا مش هتعلم غير عربي.
بالعكس تمامًا.
أنا عايزاه يدخل لندن ونيويورك وباريس ويقف وسط الناس بثقة.
يتكلم.
يفاوض.
يدرس.
يشتغل.
يبدع.
وينافس.
وعايزاه يعرف لغة العالم لدرجة إنه ما يحسش يومًا إنه أقل من حد.
لكن عايزاه في نفس الوقت يرجع بيته…
ويعرف يتكلم مع أمه.
ويعرف يحكي لأبوه.
ويعرف يقول لابنه حكاية بالعربي.
ويعرف يقرأ نصًا عربيًا من غير ما يحس إنه بيحل شفرة فرعونية.
ويعرف يختلف ويحب ويغضب ويعتذر ويضحك بلغته.
لأن أخطر شيء ممكن يحصل للإنسان…
إنه يعرف يتكلم مع العالم كله…
ولا يعرف يتكلم مع نفسه.
فيا أولاد الـGen Z…
قولوا Mid.
وRizz.
وDelulu.
وقولوا He ate.
وقولوا إن صاحبكم Cooked.
واحسِبوا الـAura لبعض زي ما أنتم عايزين.
واضحكوا.
واخلقوا قاموسكم.
وخلو عندكم كلماتكم اللي إحنا محتاجين كل شهر نعمل لها تحديث سوفت وير عشان نفهمها.
ده حقكم.
ويمكن بعد عشرين سنة أولادكم نفسهم يطلعوا لكم بكلام يخليكم تبصوا لبعض وتقولوا:
“هم بيتكلموا عن إيه؟”
وساعتها هنكون إحنا أخدنا حقنا منكم.
لكن وسط كل ده…
إوعوا تخسروا العربية.
إوعوا يبقى عندكم ألف كلمة تصف الـAura…
وما تعرفوش كلمة تصف روحكم.
إوعوا تعرفوا كل اختصارات العالم…
وتختصروا أنتم نفسكم.
اتعلموا الإنجليزية.
أتقنوها.
وتعلموا بعدها لغة ثانية وثالثة.
سافروا.
واقرأوا.
واعرفوا العالم كله.
لكن لا تجعلوا العالم شرطًا لأن تخجلوا من البيت.
وأقول لكل أب وأم:
ما تفرحوش بس إن ابنكم بيتكلم إنجليزي.
افرحوا أكتر لما يعرف يتكلم لغته كويس.
ما تقولوش بفخر:
“أصل ابني عربيه ضعيف.”
دي مش شهادة تميز.
إتقان لغة أخرى إنجاز.
أما عدم إتقان لغتك الأم فليس إنجازًا.
علموا أولادكم أن الإنجليزية باب.
والفرنسية باب.
والإسبانية باب.
والألمانية باب.
وكل لغة جديدة نافذة أكبر على الدنيا.
لكن العربية مش باب من الأبواب.
العربية هي البيت نفسه.
علّموهم كل لغات الأرض.
وخلوهم يعرفوا يتحدثوا مع العالم كله.
لكن علموهم أيضًا أن الإنسان الذي يذهب بعيدًا يحتاج دائمًا إلى شيء يعرف به طريق العودة.
علّموا أولادكم كل لغات الأرض…
لكن لا تربّوا فيهم لسانًا يعرف العالم كله، وقلبًا لا يعرف طريقه إلى البيت.
فاللغة التي نفقدها قد نتعلمها من جديد…
أما الهوية إذا خرجت من القلب، فقد لا تعرف طريق العودة.
حافظوا على هويتنا العربية .. على لغة القرآن الكريم في الأعز والاجمل .
أعزوا أنفسكم واكرموها تُكرموا .
وتحياتي .





