الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

عبور الإرادة إلى الوعي

عبور الإرادة إلى الوعي

بقلم/ ريمون عصام خليل
محلل الشأن العام وكاتب الخُبطة الاستقصائية

مقالات ذات صلة

ليست ذكرى السادس من أكتوبر مجرد مناسبة نستعيد فيها مشاهد النصر، أو نستحضر صفحات من التاريخ ثم نغلق الكتاب. فبعض الأحداث الكبرى تظل حاضرة لأنها تحمل معها قيمًا تتجاوز زمنها، وتعيد طرح سؤال أساسي في كل مرحلة: كيف تتحول الإرادة إلى قدرة، والطموح إلى عمل، والفكرة إلى نتيجة؟

في أكتوبر، لم تكن الإرادة وحدها كافية، كما لم يكن الحماس منفصلًا عن التخطيط والإعداد والتنظيم. كان هناك هدف واضح، واستعداد طويل، وعمل جماعي، وإيمان بأن الوصول إلى النتيجة يبدأ قبل لحظة المواجهة بوقت طويل.

ومن هنا يمكن أن نقرأ أكتوبر بعين الحاضر، لا بعين الذكرى فقط.

فالدول لا تبني مستقبلها بالموارد وحدها، وإنما تبنيه بالإنسان القادر على فهم واقعه، والتعامل مع تحدياته، وتحويل المعرفة إلى ممارسة، والمشاركة إلى أثر. ولهذا أصبحت قضية بناء الإنسان واحدة من القضايا التي تستحق أن تكون في مقدمة النقاش العام.

وخلال السنوات الماضية، اتسعت مساحات الاهتمام بالشباب وتأهيلهم وتطوير مهاراتهم، وأصبح الاستثمار في قدراتهم جزءًا من رؤية أوسع لبناء المستقبل. لكن أهمية هذه المساحات لا تكتمل بمجرد وجودها؛ وإنما تبدأ قيمتها الحقيقية عندما يتحول الشاب من متلقٍ للمعرفة إلى مشارك فيها، ومن متابع للأحداث إلى قادر على فهمها وتحليلها واقتراح ما يمكن تطويره.

وهنا تأتي تجربتي الشخصية باعتبارها جزءًا من هذا المسار.

فمع الاهتمام بالكتابة وتحليل الشأن العام، جاء الانخراط في برامج التدريب والعمل المجتمعي، ومن بينها برنامج إعداد الباحث المتخصص في شؤون المجتمع المدني بمجلس الشباب المصري. ولم تكن التجربة بالنسبة لي مجرد برنامج تدريبي ينتهي بالحصول على المعرفة، وإنما محطة أعادت ترتيب العلاقة بين البحث والمشاركة والكتابة.

فالكاتب الذي يقترب من الشأن العام لا يكفيه أن يصف ما يحدث، بل عليه أن يسأل: لماذا يحدث؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟ وكيف يمكن تحويل الملاحظة إلى فكرة، والفكرة إلى مقترح قابل للنقاش؟

ومن هنا أصبحت المشاركة في الفعاليات والمنتديات والمسابقات ومساحات الحوار بالنسبة لي امتدادًا طبيعيًا لمسار واحد، هدفه أن أتعلم، وأبحث، وأكتب، وأتفاعل مع القضايا التي تمس المجتمع.

إن الاحتفال بأكتوبر اليوم يمكن أن يكون احتفالًا بقيمة أكبر من النصر العسكري وحده؛ احتفالًا بفكرة أن الإنجاز الكبير يبدأ بإرادة، ثم إعداد، ثم تخطيط، ثم عمل.

وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات، ربما نحتاج إلى استعادة هذه القاعدة البسيطة: لا مستقبل يُبنى بالتمني، وإنما بالإنسان الذي يستعد له.

كتبه/ ريمون عصام خليل
محلل الشأن العام وكاتب الخُبطة الاستقصائية، حاصل على برنامج إعداد الباحث المتخصص في شؤون المجتمع المدني، ويقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحِكم المستخلصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى