الصحافة رسالة سامية
بقلم .. حماده مبارك
ليست الصحافة مجرد كلمات تنشر، أو أخبار تُتداول، أو منصات تتسابق لجذب المشاهدات وحصد التفاعل، وإنما هي مهنة ذات رسالة سامية، ومسؤولية أخلاقية ومجتمعية، وضمير حي يحمل هموم الناس، ويدافع عن حقوقهم، ويسلط الضوء على أوجاعهم ومشكلاتهم، ويسعى إلى إصلاح مواطن الخلل في المجتمع.
فالصحافة لم تُخلق لتكون وسيلة لإلهاء الناس، أو أداة لشغل الرأي العام بالصغائر والتفاهات، ولم تكن يومًا منصة لنشر البذاءات، أو تعميم خطابات السب والقذف، أو الاعتداء اللفظي على أصحاب المهن والوظائف المختلفة. كما لا يجوز أن تتحول إلى نافذة مفتوحة لتداول الشتائم والعبارات الهابطة، تحت ذريعة النقل الأمين أو التغطية الصحفية.
إن نقل الإساءة لا يعني بالضرورة ممارسة العمل الصحفي بمهنية، كما أن إعادة نشر الألفاظ الخارجة لا تمنح المحتوى صفة الموضوعية أو المصداقية. فهناك فارق كبير بين نقل واقعة تستحق النشر، وبين التورط في ترويج الانحدار اللفظي وتحويله إلى مادة إعلامية يتداولها الجميع.
فالصحفي الحقيقي ليس ناقلًا للشتائم، وإنما كاشف للحقيقة، وصوت للمواطن، ورقيب على مواطن التقصير والخلل.
ومن حق الصحافة أن تنتقد، بل إن النقد أحد أهم أدوارها، لكنه يجب أن يكون نقدًا جادًا ومسؤولًا، يستند إلى الوقائع والأدلة، ويضع الإصبع على موضع الخطأ، دون تجريح أو تشهير أو انتقاص من كرامة الآخرين.
فإذا أخطأ مسؤول أو موظف أو صاحب مهنة، فإن الواجب الصحفي يقتضي كشف الخطأ، وعرض أسبابه، ومناقشة آثاره، ومطالبة الجهات المعنية بالتصحيح والمحاسبة، وليس تحويل الواقعة إلى ساحة لتبادل الإهانات والعبارات السوقية.
إن احترام المهن وأصحابها لا يعني حمايتهم من النقد أو إعفاءهم من المساءلة، وإنما يعني أن يكون الاختلاف في إطار الاحترام، وأن تنصب المحاسبة على الأداء والسلوك، لا على الكرامة الإنسانية.
كما أن الدفاع عن حقوق المواطن لا يكون بالصراخ أو نشر الإساءات، بل بإيصال صوته، ونقل معاناته، وكشف أوجه القصور في الخدمات، ومتابعة المشكلات حتى الوصول إلى حلول حقيقية. فالقلم الذي لا يحمل هموم الناس يفقد جانبًا أصيلًا من رسالته، والمنصة التي تنشغل بترويج التفاهة على حساب الحقيقة تبتعد عن جوهر العمل الصحفي.
إننا بحاجة إلى صحافة تبني الوعي لا تهدمه، وترتقي بالذوق العام لا تفسده، وتواجه الخطأ بالحجة والدليل لا بالسباب والتشهير.
فالحرية الصحفية مسؤولية قبل أن تكون حقًا، والمهنية أخلاق قبل أن تكون مهارة، والكلمة أمانة قد تصلح مجتمعًا أو تساهم في إفساده.
وفي النهاية، تبقى قيمة الصحفي فيما يقدمه من حقيقة، وما يكشفه من فساد أو تقصير، وما يدافع عنه من حقوق، وليس فيما يجمعه من مشاهدات أو يثيره من ضجيج.
فالصحافة التي تنشر الوعي تصنع مستقبلًا، أما الصحافة التي تتاجر بالبذاءات فلا تصنع سوى مزيد من الفوضى والانحدار..






