الأسبوع العربيخاطرة

عمالقة الفكر هل كانوا عباقرة ؟

عمالقة الفكر هل كانوا عباقرة ؟

بقلم : محمود الشهابي

مقالات ذات صلة

هل كان عمالقة الفكر المصري عباقرة؟
أم أن مصر قادرة على تكرار أمثالهم ؟

الدكتور طه حسين
الذي اتخذ أسلوب الشك المنهجي للوصول إلى اليقين
والدكتور جمال حمدان
الذي حوّل الجغرافيا من تضاريس إلى فلسفة المكان
والدكتور عبد الوهاب المسيري
الذي غير النظرة إلى الغرب من نظرة الانبهار إلى نظرة الانتقاد
والدكتور زكي نجيب
الذي هندس العقل العربي لمواكبة العصر الحديث
والدكتورة عائشة عبد الرحمن
التي برهنت أن اللغة والتراث ليسا حكرًا على الرجال

تلك الأسماء على سبيل المثال ..
وبقدر قليل من التبسيط نلاحظ

تفرد طه حسين بعبقرية المنهج النقدي
وتفرد جمال حمدان بعبقرية قراءة المكان
وتفرد عبد الوهاب المسيري بعبقرية نقد الحداثة
وتفرد زكي نجيب محمود بعبقرية العقل العربي
وتفرد عائشة عبد الرحمن بعبقرية بيانها اللغوي
وتفرد مصطفى محمود بعبقرية دمج العلم و الإيمان
وتفرد جمال بدوي بعبقرية استحضار علوم التاريخ

وبنفس تلك البساطة نجد أن هذا التنوع
هو الذي شكّل حالة من الخصوبة الفكرية
التي جعلت من العقلية المصرية منارة للعالم

وعند الحديث عن تجريف الفكر
لا داعي للاختزال في ندرة المواهب
فربما مازالت مصر ولاده لمواهب عديدة
ولكن ماطبيعة التربة التي تتبنى تلك المواهب

دعونا نجري تحليلاً لعناصر التربة الحالية

“رفض الاختلاف”
الاختلاف بمفهومه الصحيح كان يثري الحياة الثقافية
كان طه حسين وبنت الشاطئ يختلفان بمنتهى العنف
لكن الاختلاف اقتصر على الاختلاف في النهج
لكنه لم يؤثر على جدية الاحتفاظ بالاحترام

والآن تحوّل الاختلاف إلى خناقة في خمارة
وعندما يرتقى يتحوّل إلى معركة عنصرية
مع الاحتفاظ بجملة مع كل الاحترام
لو إنت مش في صفي تبقى عدوي

هذا الاستقطاب يصيب المفكر الحقيقي باليأس
وغالبًا ما يترك الساحة للأصوات الأعلى صراخًا
والأكثرها سبًا لا الأعمق فكرًا ولا الأرجح عقلًا

“تسطيح الوعي”
المفكر يحتاج إلى صبر وعزلة عن المؤثرات
الدكتور جمال حمدان اعتكف عشر سنوات
ليخرج للعالم بكتاب “شخصية مصر”

لكننا اليوم في عصر التريند السريع
لو اختفيت يومين الناس تنساك حرفيًا
لم يعد المجتمع يصبر على المفكر الموسوعي
بل أصبح يبحث عن إجابات جاهزة وسريعة وبسيطة

فأصبح روّاد الصالونات الثقافية “جيبيتيين”
نسبة إلى الذكاء الاصطناعي شات جي بي تي
ربما لأنه في الأغلب بياخدهم على قد عقلهم
ماهو مافيش أحلى من ان حد يقول لك “أنت صح”
بالطبع ده كمان أدى إلى تجريف العمق وانتشار السطحية

غياب “المؤسسة”
العمالقة الأوائل هم أبناء “الجامعة” التي كانت منارة
وأبناء “الصحافة” التي كانت تعتبر المقال خبرًا فلسفيًا
وأبناء الصالونات الثقافية التي تستهدف المواهب الشابة

فعندما تتحول الجامعات إلى مراكز لمنح الشهادات بالمال
وعندما تتحول الصحافة إلى تريندات استهلاكية إعلانية
وعندما يتحول الصالون الثقافي إلى جمعية للتبرعات
تغيب المؤسسة الحاضنة التي تنمو فيها العقول بالفكر

“النتيجة”
أصبحنا مجتمعًا يعيش في جزر فكرية معزولة
كل فريق يقرأ ماهو مكتوب بلون فريقه فقط
يقدّس رموز فريقه ويحقّر رموز أي فريق آخر
لذا فقدنا القدرة على بناء تراكم معرفي شامل

كيف نسترد “العبقرية”
تكرار العباقرة تبدأ بتهيئة التربة التي أنجبتهم
علينا أن نبدأ باستعادة أدآب وفنون الاختلاف
علينا أن نمنح التقدير للكلام المفيد لا التريند
علينا أن ندعم المؤسسات الثقافية دعماً رسميًا
حتى لا تعتمد على التبرعات المالية الخارجية
فتتحدث بأفكار الرعاة بهدف مراعاة مصالحهم

التجريف ليس قدرًا محتومًا لكنه واقع مفروضاً
فرضه بعض الإهمال يمكننا جميعاً أن نتداركه
إذا كنا ما زلنا نعتقد تمام الاعتقاد بأن للفكر
قيمة حقيقية في تحضر الدول وتقدمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى