
عدالة المعاشات مزيفة
بقلم: قيادي عمالي مستقل محمد عبدالمجيد هندي، مؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين تحت التأسيس
إن الحديث عن العدالة الاجتماعية في مصر يجب أن يكون حديثًا حقيقيًا وواقعيًا، لا مجرد شعارات يتم ترديدها في المناسبات أو الندوات. ففي الوقت الذي يُزعم فيه أن هناك اهتمامًا بالطبقات الفقيرة والمهمشة، نجد أن هناك فئة لا تزال تعاني في صمت، وهم أصحاب المعاشات الذين تُعتبر حقوقهم مسلوبة بقانون المعاشات رقم 148 لسنة 2019.
ما هو الهدف من قانون المعاشات إن لم يكن تحقيق العدالة الاجتماعية للطبقات المستضعفة، ومنها أصحاب المعاشات؟ كيف يمكننا الحديث عن العدالة الاجتماعية، في الوقت الذي يُقر فيه قانون التأمينات والمعاشات علاوة سنوية بحد أقصى 15%، في حين أن التضخم يتصاعد ليصل في بعض الأحيان إلى 35% أو حتى 40%؟ هذا ببساطة ليس عدالة، بل هو خداع قانوني يهدف إلى التغطية على الحقيقة المرّة التي يعيشها هؤلاء المواطنون الشرفاء. كيف نطالب أصحاب المعاشات بتلبية احتياجاتهم الأساسية في وقت تزداد فيه الأسعار بشكل متسارع بينما تبقى العلاوة السنوية على حالها، دون أن تراعي هذا الارتفاع المهول في تكاليف الحياة؟
إن هذه العلاوة التي لا تتعدى 15% تساوي في الحقيقة لا شيء بالنسبة للعديد من أصحاب المعاشات، الذين يواجهون صعوبات كبيرة في تغطية احتياجاتهم المعيشية من غذاء ودواء ومواصلات، بل وأحيانًا في تلبية احتياجاتهم الأساسية من مأوى. فماذا يعني أن يكون هناك علاوة سنوية دون أي تحديد أو تعديل للحد الأدنى الذي يجب أن يتوافق مع الظروف الاقتصادية؟ هذا يعني ببساطة أن أصحاب المعاشات سيستمرون في السقوط في دوامة الفقر والعوز.
إلغاء الحد الأقصى للعلاوة السنوية ضرورة
من الضروري أن تكون العلاوة السنوية لأصحاب المعاشات دون حد أقصى، بحيث يتم تحديدها بناءً على الظروف الاقتصادية الحقيقية وتوجهات السوق. لا يجب أن يكون هناك سقف مُحدد للزيادة السنوية، لأن هذا يتنافى مع مبدأ العدالة الاجتماعية التي يجب أن تضمن تحسين الوضع المعيشي للمواطنين بما يتناسب مع متطلبات العصر وتحدياته الاقتصادية.
إن الحياة اليوم لا تترك مكانًا للمجاملات أو التلاعب بالكلمات، والأرقام تشير بوضوح إلى أن التضخم ليس مسألة قابلة للتجاهل. لذا، فإن الحد الأدنى للعلاوة السنوية يجب أن يكون 20% على الأقل، لضمان الحد الأدنى من حياة كريمة لأصحاب المعاشات. من غير المقبول أن يُترك هؤلاء ليواجهوا ارتفاع الأسعار غير المسبوق في ظل زيادة محدودة جدًا على دخلهم.
متى تتحرك الحكومة؟
أين الحكومة؟ وأين مجلسا النواب والشيوخ؟ هذا سؤال يجب أن يوجهه كل مواطن مصري إلى من هم في مواقع المسؤولية. ماذا فعلتم لإصلاح هذا الوضع الذي بات يهدد أمن واستقرار فئة كبيرة من المجتمع؟ ألم يحن الوقت لتحمل المسؤولية الوطنية والعمل على تعديل قانون التأمينات والمعاشات بما يتلاءم مع التحديات الاقتصادية والإنسانية لهذا العصر؟
نحن نعيش في مرحلة دقيقة من تاريخ الوطن، مرحلة تتطلب تفعيل الإصلاحات التي تمس حياة المواطن مباشرة. إن إصلاح قانون المعاشات هو خطوة أساسية نحو بناء دولة عادلة، لا تكتفي بالكلام وإنما تتخذ قرارات حاسمة لتحسين أوضاع مواطنيها.
إصلاح حقيقي يبدأ الآن
إن إصلاح قانون المعاشات ليس مسألة اختيارية، بل هو ضرورة ملحة. لا يعقل أن تبقى القوانين التي تحكم حياة المواطنين غير قابلة للتعديل رغم التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد. يجب أن تكون العلاوة السنوية لأصحاب المعاشات بدون حد أقصى، وأن لا يقل الحد الأدنى للعلاوة عن 20%، لمواكبة التضخم المستمر وضمان حياة كريمة لأولئك الذين خدموا الوطن طوال حياتهم.
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق من خلال القوانين التي لا تعكس واقع الناس، بل من خلال قوانين تتكيف مع تحديات الزمن وتلبّي احتياجات الشعب. لذا، على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في إقرار هذا التعديل، وأن تضمن لأصحاب المعاشات حياة كريمة تليق بما قدموه للوطن.
إن الوقت قد حان لنتحرك جميعًا من أجل هذا التغيير الجذري، الذي لا يتحقق إلا بالعدالة الحقيقية التي تضمن للأفراد حقوقهم كاملة، بما يتماشى مع ما نعيشه من تحديات. هذه دعوة لكل من له دور في اتخاذ القرار، أن يضع نصب عينيه مصلحة المواطنين الذين يعانون يومًا بعد يوم من جراء هذه القوانين المجحفة.
العدالة لا تتحقق بالكلام، بل بالأفعال. وإذا كانت الدولة تدعو إلى العدالة الاجتماعية، فيجب أن تبدأ بتطبيقها على أرض الواقع، وليس على الورق فقط.






