الأسبوع العربيمجلة الأديب العربي

​طولُ الغيابِ ومرارةُ الاشتياقِ

​طولُ الغيابِ ومرارةُ الاشتياقِ
​بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
​أيها الأحبّةُ الراحلونَ عن مرأى العينِ، الساكنونَ في شغافِ القلبِ والروحِ، كمْ طالَ هذا الغيابُ، وكمْ أثقلَ هذا البُرْءُ كاهلَ مُحبٍّ أنهكتهُ الأشواقُ، وأضناهُ الحنينُ! فواللهِ، ما تركتُمُ في فؤادِ المُتَيَّمِ إلَّا جمرةً مُتَّقدةً، لا يخبو أوارُها، ولا ينطفئُ لهيبُها. هي نارُ الوَجْدِ التي استقرَّتْ بينَ أضلُعٍ باتتْ هشَّةً ضعيفةً لا تقوى على حملِ هذا الثقلِ. كيفَ السبيلُ إلى نسيانِ مَنْ كانَ حديثَ المجالسِ، وزهرَ الحياةِ، وأُنْسَ الأمسياتِ؟
​أَوَما سألتمْ عن حالِ مَنْ تركتموهُ وحيداً، يقتاتُ على ذكرى أيامٍ خلتْ، ويَتشبَّثُ بخيوطِ أملٍ باليةٍ؟ فالهجرُ قاسٍ، والبعدُ مُوحِشٌ، وما يزيدُ الطينَ بِلَّةً هو هذا الانقطاعُ المُريبُ. فما عادتْ رسائلُكمْ تحملُ إلينا شذى عطركمْ، ولا صارتْ أخبارُكمْ تروي ظمأَ قلوبِنا. حتى في منامِنا، أبتْ طيورُ الأحلامِ أنْ تُحلِّقَ بنا إليكمْ، وكأنَّ قضاءَ اللهِ قد حُتِمَ علينا بالحرمانِ منكمْ، يقظةً ومَناماً.
​نعمْ ما لي سلوةٌ في هذا الرُّكامِ من الصمتِ والوحشةِ إلَّا في ترديدِ ما جاشَ في صدرِ شاعرٍ كانَ ضحيَّةً لمِثلِ ما أُعانيهِ. صوتُه الصادقُ يُصبِّرُني، ونبضُه المُتألِّمُ يُؤنسُني. وكأنَّ حالي وحالَه قد اتفقا على أنَّ الفِراقَ لم يكنْ باختيارِنا ولا بِمَشيئتِنا، بل كانَ سيفاً مَسلولاً حكمتْ بهِ علينا تقلُّباتُ الدهرِ، ومرارةُ الأقدارِ. فالإرادةُ مُصادَرةٌ، والخيارُ مفقودٌ، وليسَ للمرءِ إلَّا أنْ يرضخَ لحكمِ الأيَّامِ القاسي.
​يا ربَّاه، عجِّلْ بوصلٍ يبرأُ بهِ هذا الجرحُ الغائرُ، أو امنحِ القلبَ صبراً على بليَّتِه، فما عادَ يَقْوَى على احتمالِ هذا العذابِ المُقيمِ. فالشوقُ خنجرٌ مسمومٌ ينهشُ ما تبقَّى من عزائمي، والوحدةُ دهليزٌ مظلمٌ يبتلعُ ضوءَ أيامي. كيفَ السبيلُ إلى أنْ يَرتويَ الظمآنُ من نبعٍ باتَ مُغلقاً، وأنْ تستريحَ الروحُ من قلقٍ باتَ مؤبَّداً؟
​فلتُعذَروني يا أزاهيرَ روحي، إنْ ضَعُفَ نبضي، أو خَفتَ صوتُ حرفي؛ فالحياةُ من بعدِكمْ ليستْ كما كانتْ، بل هي نسخةٌ باهتةٌ ومَشهدٌ ناقصٌ. لكنْ سأظلُّ أتنفسُكمْ في كلِّ زفرةٍ، وأبحثُ عن طيفِكمْ في كلِّ زاويةٍ، حتى يأتيَ الميعادُ الذي لا يعلمُ بتفاصيلهِ إلَّا خالقُ هذا الكونِ، وحينها سيتوقفُ عدادُ الغيابِ، وتهدأُ مرارةُ الاشتياقِ. وسأكتفي بأنَّكمْ كنتمْ ولا زلتمْ، أجملَ ما في ذاكرةِ قلبٍ أخلصَ في حُبِّكمْ حتى الفناءَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى