الأسبوع العربيمجلة الأديب العربي

بَترُ الغيابِ وظمأُ الروح

بَترُ الغيابِ وظمأُ الروح

بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​يا سيدي، وكأنَّ غيابَكَ بترَ قلبي، فما عادَ مُكتمِلًا، وأصبحَ ينزفُ اشتياقًا لا ينقطع، وظمأً إليكَ لا يرتوي. ليتني أملكُ أن أُسكتَ هذا الأنينَ الصارخَ الذي يعتصرُ روحي في كلِّ مساء، حينما تخلو الأماكنُ من وقعِ خُطاك، وتصيرُ الذكرياتُ هي الأنيسَ الوحيدَ في وحدتي المُوحِشة.
​أمَّا الحنينُ، فهو نارٌ كامنةٌ تحتَ الرَّماد، تشتعلُ فجأةً لتكويني وتُذيبني. إنهُ ثِقلٌ خفيٌّ يجثمُ على الصدر، يمنعُ انفلاتَ التنهيدة، ويجعلُ المرءَ يتوقُ إلى لحظةٍ مضت، إلى كلمةٍ قيلت، إلى طيفٍ مرَّ. هذا الشعورُ أشبهُ بموجةٍ باردةٍ تجتاحُ الجسدَ في أشدِّ أوقاتِ الدفء؛ يبعثُ في النفسِ ارتعاشةً لا علاقةَ لها بالبَرَد، بل هي رعشةُ الذاكرةِ التي رفضتِ النسيان. الحنينُ إليكَ ليسَ مجرَّدَ ذكرى عابرة، بل هوَ إلحاحُ الروحِ على استعادةِ ما فُقِدَ، هوَ مرارةُ الإدراكِ بأنَّ ما كانَ جميلًا قد ذهبَ ولن يعود.
​إنَّ القلبَ بعدَكَ أصبحَ كالأرضِ اليابسةِ التي هجرَها المطر، ينتظرُ عودتَكَ بلهفةٍ كاذبة، عالِماً في قرارةِ نفسِهِ أنَّ الوصلَ أصبحَ ضربًا من المحال. ولكنْ، في كلِّ غروبٍ يمرُّ، وكلِّ فجرٍ يلوح، يظلُّ في حنايا الروحِ فسحةٌ ضئيلةٌ من رجاء، تُخبئُ أملًا باهتاً بلقاءٍ عابر، أو رسالةٍ تُطفئُ لوعةَ النزفِ قليلًا. وإلى أن يحينَ ذلكَ اليوم، سأعيشُ بقلبٍ ناقصٍ وروحٍ مُعلَّقةٍ بينَ الحضورِ والغياب، راضياً بحُكمِ القدرِ وظُلمِ البُعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى