
كتب ضاحى عمار
يصرخ بعض الملاك القدامى بشكواهم الدائمة: إحنا مظلومين، مش لاقيين ناكل، في حين أن نظرة أكثر تدقيقًا في الحقائق تكشف وجهًا آخر للحقيقة، حيث يظهر أن هؤلاء الملاك استفادوا لعقود طويلة من ميزات غير مسبوقة.
على مدار سنوات، حصل المالك على خلوات تفوق نصف قيمة الشقة، وهو مبلغ مقدم كان يشترطه قبل التوقيع على العقد، ما جعله يسترد جزءًا كبيرًا من قيمة العقار قبل حتى أن تبدأ عملية التأجير الفعلية. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل حصل هؤلاء الملاك على دعم من الدولة في مواد البناء، ما خفض من تكلفة إنشاء تلك العقارات إلى مستويات غير عادلة بالمقارنة مع الأسعار الحالية.
ولم تقف الامتيازات عند هذا الحد، إذ أعفت الدولة الملاك من الضرائب تشجيعًا لعملية التأجير، وكان الإيجار في وقتها ذا قيمة مرتفعة بالنسبة للموظف العادي، الذي كان يدفع ما يقارب ثلث راتبه لاستئجار وحدة سكنية، إلى جانب دفعه لخلو تعادل قيمته نصف سعر الشقة، فضلًا عن تكاليف التشطيب التي كانت تقع بالكامل على المستأجر.
مع مرور الزمن، استفاد كثير من الملاك من استرداد شققهم ومحلاتهم، سواء بوفاة المستأجر أو بالاتفاق الودي على إنهاء العقد، ليقوموا بعد ذلك بتأجيرها بنظام الإيجار الجديد بأسعار خيالية تصل إلى 6000 جنيه شهريًا للشقة، وترتفع إلى 20 ألف جنيه شهريًا للمحلات التجارية في بعض المناطق الحيوية، مما يجعل الادعاء بأنهم مظلومون أمرًا يصعب تصديقه.
يعلق اللواء خالد الشاذلي، مدير أمن كفر الشيخ سابقًا، قائلًا: القانون لم يكن ظالمًا للملاك بقدر ما كان ينظم علاقة تضمن حق الطرفين. ولكن المشكلة أن البعض يريد أن يجني مكاسب مضاعفة رغم استفادته الكبيرة من الخلوات والدعم والإعفاءات. وأضاف أن فكرة الإلغاء الفوري لعقود الإيجار القديمة دون تقديم حلول عادلة سيكون لها تبعات مجتمعية خطيرة.
أما المستشار سمير عبد العظيم، فيرى أن “القانون المصري لطالما راعى البعد الاجتماعي، لكن في ذات الوقت يجب ألا ننسى أن المستأجر أيضًا دفع في البداية مبالغ ضخمة كخلوات ومقدمات، ما يجعله شريكًا في قيمة العقار بشكل غير مباشر. وبناءً على ذلك، فإن إلغاء الإيجار القديم دون مراعاة هذه الجوانب قد يفتح الباب لنزاعات قانونية ضخمة.”
وعند النظر إلى الملاك الجدد الذين اشتروا العقارات بأسعار زهيدة لا تتجاوز 10% من قيمتها الحقيقية، يتضح أنهم يسعون الآن لفرض واقع جديد تمامًا، متجاهلين أن تلك العقارات بُنيت بأموال المستأجرين أنفسهم، الذين دفعوا خلوات ومقدمات ضخمة، وأسهموا في ارتفاع قيمة العقارات بفضل بقائهم فيها لعقود طويلة.
وهنا يُطرح السؤال الأهم: هل يجوز للمالك أن يلغي عقد الإيجار ببساطة دون تقديم تعويض عادل؟ هل يرضي الله أن يجني شخصٌ أرباحًا هائلة طوال سنوات، ثم يدعي الفقر والظلم في النهاية؟ كيف يمكن أن يبرر هؤلاء الملاك استغلالهم لسنوات طويلة، ثم المطالبة بحقوق إضافية دون النظر للجانب الآخر من المعادلة؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب مراجعة شاملة للعلاقة بين المالك والمستأجر، وإيجاد حلول وسط تحقق التوازن بين حقوق الطرفين دون الإخلال بالاستقرار الاجتماعي





