
الغلاء يسحق الأرواح ويهدد بانفجار الغضب
كتب: أحمد النحاس … مدير عام جريدة مصر اليوم نيوز
في قلب المدن الصاخب، يلتقي صخب الحياة بضجيج المعاناة، تتصاعد أنفاس الناس كأنها صرخات مكتومة تبحث عن مخرج، الأسواق التي كانت يومًا ما تعج بالمتسوقين، غمرتها سحابة من الكآبة، وكأن الزمن توقف في لحظة قاسية لا تنتهي، تجلس العائلات أمام الموائد الخاوية، عيونهم معلقة بالسماء كأنهم ينتظرون معجزة تنقذهم من هذا الطوفان، البائعون يقفون خلف عرباتهم، يراقبون الأيدي التي كانت تمتد نحو الخضار والفواكه، لكنها الآن ترتجف وهي تحصي القروش وتسأل نفسها: هل يكفي؟!
الغلاء… تلك العاصفة الهوجاء التي لا تُبقي ولا تذر، تهبّ على الفئات المتوسطة والفقيرة كأنها وحش مفترس، يمتص ما تبقى لهم من أمل، الجميع يقاتل في معركة خفية، معركة الغلاء التي لا يُسمع فيها صوت الرصاص، ولكنها تقتل ببطء، تُحطم الأحلام، وتسلب الأرواح بلا رحمة.
كم أب ينظر إلى أسرته اليوم ويشعر بالعجز وكأنه أسير في سجن لا جدران له؟
كم أم تحتضن أبناءها ليلًا، وهي تخفي دموعها خلف ابتسامة زائفة؟
هذا الغلاء لم يعد مجرد أرقام على شاشات الاقتصاد، بل أصبح شبحًا يسكن البيوت، يطارد العائلات في نومهم ويقظتهم.
الأب الذي كان يعمل بجد ليوفر لأسرته حياة كريمة، أصبح اليوم كمن يجري في سباق ضد طوفان لا يرحم، كل يوم يتردد إلى عمله وكلما عاد وجد أن ما جمعه قد تلاشى في زوبعة الغلاء التي تلتهم كل شيء، الأسعار ترتفع كالسيف الذي لا يتوقف عن الذبح، والمطالب لا تنتهي، كل خطوة في السوق أصبحت معركة للبقاء، والكل يعاني بصمت، يخشى أن يعترف بأن الحياة أصبحت أقرب إلى الجحيم.
أما الفئات المتوسطة، ذلك الوهم الذي كنا نصدقه! هذه الفئة التي كانت تمثل الاستقرار، أصبحت الآن مجرد شبح لما كانت عليه، تقف عند حافة السقوط، تتأرجح بين الأمان والخراب، إنهم يرزحون تحت ثقل الديون، يفقدون القدرة على شراء أبسط متطلبات الحياة، المدارس التي كانت حلمًا لأبنائهم أصبحت بعيدة المنال، والرفاهية التي كانوا يأملون في تأمينها أصبحت شيئًا من الماضي.
الفئات الفقيرة… تلك الفئة التي كُتب عليها الصراع الدائم، لم يكن الفقر بالنسبة لهم يومًا قضية اختيار، بل هو مصير فرضته الظروف، واليوم بات أكثر وحشية، إنهم يحاربون من أجل رغيف الخبز، يُصارعون من أجل البقاء في عالم باتت فيه الكرامة سلعة نادرة، الغلاء يسحقهم دون هوادة، وكأنهم أوراق في مهب الريح، كل يوم يمر عليهم هو معركة جديدة، لا نصر فيها ولا هزيمة، بل فقط الاستمرار في القتال.
لكن الخطر الأكبر يكمن فيما يحمله هذا الوضع من تهديد خفي، الفقر المتزايد لا يولد فقط الألم والجوع، بل يزرع بذور الغضب والقهر، حين يجد الإنسان نفسه محاصرًا بلا مخرج فسوف يبدأ في البحث عن طرق ملتوية للنجاة، وهنا ستظهر المآسي الحقيقية: الجريمة ستتفشى، والسرقات ستزداد، ليس لأن الناس ولدوا مجرمين، بل لأنهم مجبرون على الهروب من جحيم الغلاء بأي ثمن، إنه انفجار قادم، ساعة لا تعرف الرحمة، وحين يدق ناقوسها، قد تكون العواقب وخيمة على المجتمع بأسره.
إنها أزمة ليست فقط في الجيوب، بل في القيم والأخلاق، كيف يمكن للمجتمع أن يبقى متماسكًا حين تكون الكرامة على المحك؟
كيف يمكن للناس أن يظلوا متحابين حين يكون الفقر عدوًا مشتركًا ينهش قلوبهم؟
إنها كارثة تهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي، حيث يصبح الكل في مواجهة الكل، والجميع يسعى فقط للبقاء على قيد الحياة.
هل هناك ضوء في نهاية هذا النفق المظلم؟
ربما، لكن الحل لن يكون سريعًا ولا سهلًا، إنه يتطلب نهضة جماعية، تضامنًا بين الفئات المتضررة وحلولًا جذرية على المستويين السياسي والاقتصادي، لا يمكن أن تستمر الأوضاع على هذا النحو دون أن تدفع المجتمعات ثمنًا باهظًا، يجب على الحكومات أن تتدخل بقرارات جريئة لحماية الفئات الأضعف، ويجب على الأثرياء أن يتخلوا عن أنانيتهم لصالح دعم المجتمع.
إن الغلاء ليس مجرد أزمة اقتصادية، إنه اختبار لإنسانيتنا، لمدى قدرتنا على مواجهة التحديات كمجتمع واحد، قبل أن تتحول آفة الغلاء إلى عاصفة تدمر كل شيء
الغلاء يسحق الأرواح ويهدد بانفجار الغضب






