بقلم/ ا. معتز متولي
البريكس : تحول إقتصادى عالمى أم تحول للقوى الإقتصادية العالمية العظمى ؟
تقوم فكرة إنشاء تكتل البريكس على المصالح المشتركة بين روسيا والصين الممثلة
فى مخاوف كلا منهما من مخاطر توسع النفوذ الأمريكي خاصة في آسيا ،
ومعارضتهم لمشروع الدفاع الصاروخى الأمريكي ،
ورغبتهما الشديدة فى الحد من هيمنة الغرب على الإقتصاد العالمى
إلى جانب رغبة الهند وتطلعاتها فى أن تكون قوى إقتصادية عظمى فى العالم ،
حيث لديها فكر تعدد الأقطاب الإقتصادية
وإيقاف سيطرة القطب الواحد على الإقتصاد العالمى.
* مخاوف إقتصادية
هل ينجح تكتل البريكس فى استبدال صندوق النقد الدولى
والبنك الدولى بزيادة التداولات والتسويات بالعملات المحلية ،
والعمل على تعدد القوى الإقتصادية والتخلى عن الدولار
أم يكون قوى إقتصادية عظمى جديدة ،
وروسيا والصين بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية
وبالتالي تتهافت البنوك المركزية على الروبيل أو الإيوان
بديل للدولار فتجد القوى الإقتصادية نفسها أمام سناريو مكرر ،
وصندوق نقد جديد بإسم بنك التنمية الجديد بنفس الأعباء الإقتصادية
وتحكم المؤسسين فى إتخاذ القرارات بمنح فرص الإستثمار من عدمه.
إنطلاقا من أفكار الإقتصاديين هارى ديكستر وايت وجون مينا
ردكز فى مؤتمر بريتون وودز عام 1944 تبلورت فكرة إنشاء صندوق النقد الدولى
والبنك الدولى وبدأ وجودة رسميا بمشاركة 29 دولة عام 1965 بهدف إعادة هيكلة
وإستقرار نظام النقد الدولى عقب الحرب العالمية الثانية ، وتتبع المؤسستان
منهجين متكاملين حيث يركز الصندوق على قضايا الإقتصاد الكلى
والإستقرار المالى فى حين يركز البنك الدولى على التنمية الإقتصادية
طويلة الأجل والحد من الفقر ، وكان قد حل نظام بريتون وودز الخاص بسعر الصرف
بدلا عن معيار الذهب ووافقت الولايات المتحدة بين عامى 1947,1946على
إستبدال الدولار بالذهب بسعر ثابت قدرة 35 دولار للآوقية وأصبح الدولار أول عملة
إحتياط مصرفى فى العالم دون منازع.
بدأت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والدولار على الإقتصاد العالمى ،
حيث تسارعت البنوك المركزية للحصول على الدولار من أجل تكوين إحتياطياتها ،
عارضت الولايات المتحدة من خلال نفوذها داخل صندوق النقد الدولى
بإعتبارها المبادر الرئيس بإنشائه إنتاج السلع المنافسة للمنتجات الأمريكية
كإنتاج زيت النخيل والحمضيات ، فى عام 1987 أجبرت البنك
على أن يقلل القروض الممنوحة لصناعة الحديد والصلب فى الهند وباكستان ،
فى عام 1985 عارضت بنجاح مشروع إستثماري
من قبل البنك الدولى فى صناعة الصلب البرازيلية ،
فى عام 1980 خصص الصندوق 150 مليون دولار للصومال
إلا أن محاولات تطبيق شروط وتوصيات المؤسسة فى الحياة الإقتصادية
الداخلية للبلاد أدت إلى إنهيار الإقتصاد نفسه ثم الدولة بأكملها
وترتب عليه نشوب حرب أهلية وإنقسام البلاد ،
كما أدت حالة التقارب بين الولايات المتحدة وقوى أخرى
مثل بريطانيا التى جعلت البنك يعطل بل ويخرب مشاريع الدول النامية
كمشروع سد أسوان فى مصر وكارثة إحتلال العراق وخدعة إعادة إعماره .
* آمال وطموحات إقتصادية
زادت طموحات وآمال القوى الإقتصادية بإنعقاد قمة بريكس 2023
فى عاصمة جنوب أفريقيا جوهانسبرج ، خاصة 23 دولة
والتى تقدمت بطلب رسمى للإنضمام للبريكس ،
فأول من صاغ فكرة مجموعة بريكس كبير الإقتصاديين فى بنك غولدمان ساكس جيم أونيل
فى دراسة أجريت عام 2001 بعنوان بناء إقتصادات عالمية أفضل لدول البريكس ،
وتضم المجموعة حاليا الإقتصادات الناشئة الكبرى ويشتق أسمها
من الأحرف الأولى لأسماء دولها الأعضاء ، عقدت أول مؤتمر لها عام 2009
بمشاركة البرازيل وروسيا والصين والهند وأطلق عليها آنذاك بريك
ثم إنضمت جنوب إفريقيا للتكتل عام 2010 فصار إسم المجموعة بريكس ،
وتمثل مجموعة بريكس نحو 56.65 تريليون دولار من الناتج المحلى العالمى
أى 42 بالمائة من سكان العالم و 26 بالمائة من الإقتصاد العالمى
حيث تشكل قوى إقتصادية تعد من أقوى الإقتصادات العالمية ،
كما قامت المجموعة بإنشاء بنك بريكس أو بنك التنمية الجديد NDP برأس مال مبدئي
100 مليار دولار مقسمة إلى مليون سهم بقيمة اسميه تبلغ 100000 دولار
لكل سهم مما جعل الدول بقواها الإقتصادية المختلفة تطمح
وتأمل فى الإنتقال إلى عالم متعدد الأقطاب لفتح أسواق إستثمارية جديدة
والإستثمار الأجنبي المباشر فى المجالات الرئيسية مثل التعدين
وصناعة السيارات والنقل والطاقة النظيفة والخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات .
تسعى الدول الأفريقية الغنية بموارد النفط والغاز إلى تنويع إقتصادها
وتعزيز الشراكات مع الصين ودول أخرى ،
كما أن انضمام السعودية والإمارات لمجموعة البريكس له أهمية ومكسب ،
إذ أن البلدين منتجان رئيسيان للنفط ،
وسوف يستفيدان من تحسين العلاقات الإقتصادية مع الصين
والهند وهما مستهلكان رئيسيان للنفط ، وتطمح السعودية
فى إستقرار أمن إمداد الطاقة لكبار المستهلكين .
تطمح وتأمل مصر أيضا فى تحقيق فرص
ومزايا خاصة على صعيد التنمية والتجارة والإستثمار
فحجم التبادل التجارى بين بريكس ومصر يتجاوز 31 مليار دولار
ويمنحها الإنضمام للتكتل فرصا أكبر للتحرر من قبضة الدولار
من خلال توسيع معاملاتها التجارية بعملات مختلفة ،
وتسعى مصر عبر هذة الخطوة إلى تخفيف الضغط على النقد الأجنبي
نظرا لتراجع قيمة الجنية مقابل الدولار الأمريكي بصورة كبيرة فى الآونة الأخيرة ،
وإيجاد بديل لصندوق النقد الدولى فى تقديم خدمات الدعم الإقتصادى ،
والعمل على إنهاء أزمات الإستيراد والتصدير وفتح أسواق جديدة للمنتج المصرى ،
والإستفادة من الدول الصناعية الكبرى الصين وروسيا
والهند فى نقل التكنولوجيا والتصنيع داخل مصر .
إن هروب ومخاوف القوى الإقتصادية من إنهيارها
بشكل كامل ومعاناتها من هيمنة القطب الواحد جعلها
تأمل وتطمح فى تحقيق تحول إقتصادى عالمى متعدد الأقطاب
بالإنضمام لتكتل البريكس.



