الانتخابات وصناع السياسة
بقلم: حسن عبد السلام شتا
الانتخاب، هذا المصطلح السياسي العريق الذي يعني ببساطة “الاختيار”، له جذور تاريخية عميقة تمتد إلى عهد روما القديمة. وقد تعلمته قرطاج وسبقتنا إليه أثينا، انطلاقًا من مفهوم التربية الاجتماعية، ليصبح مرادفًا للديمقراطية. فالديمقراطية، كما عرفها اليونانيون بـ (δημοκρατία dēmokratía)، أي “حكم الشعب”، هي نظام حكم يشارك فيه جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة – سواء بشكل مباشر أو من خلال ممثلين منتخبين – في اقتراح وتطوير واستحداث القوانين. وهي تتضمن أيضًا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من ممارسة حق تقرير المصير السياسي بحرية ومساواة.
الانتخابات كأحد أركان الديمقراطية: اختيار ممثلي الشعب وسن القوانين
عندما نتحدث عن الانتخابات وصناعة القوانين، فإننا نشير إلى أحد العناصر الأساسية للنظام الديمقراطي. فالانتخابات هي الآلية التي يتم من خلالها اختيار ممثلين ينوبون عن الشعب في سن القوانين التي تنظم حياتهم، وتعديل المواد الدستورية التي تحدد إطار الحكم، وتقديم طلبات الإحاطة للمسؤولين والوزراء لمساءلتهم عن أدائهم.
معايير اختيار المرشح البرلماني: سمات القادر على خدمة الوطن
هنا يثور تساؤل جوهري: ما هي المعايير التي يجب على المواطن أن يسترشد بها عند اختيار ممثله؟ أو بصيغة أخرى، ما هي السمات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المرشح البرلماني؟ في مقدمة هذه السمات تأتي قدرة المرشح على امتلاك إجابات واقعية وعملية عن الأسئلة المتعلقة بما سيفعله على أرض الواقع حال فوزه بثقة الناخبين.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على المرشح أن يتمتع بالقدرة على:
- اختيار القضايا الانتخابية الأكثر إلحاحًا والتي تمس حياة الناس بشكل مباشر وتمثل أولوياتهم واهتماماتهم.
- التحلي بمستوى تعليمي وثقافي رفيع يمكنه من فهم القضايا المطروحة والمساهمة في إيجاد حلول فعالة لها.
- سرعة عقد لقاءات مثمرة مع الشخصيات المؤثرة انتخابيًا في دائرته الانتخابية لكسب تأييدهم وثقتهم.
- إظهار الاحترام والتقدير لجميع الآراء المختلفة معه، والتعامل معها بحكمة وروية.
- تجنب التعالي أو رفع الصوت أو العصبية عند الدفاع عن مواقفه، والتحلي بالهدوء والمنطق في الحوار.
إن اجتماع كل هذه الصفات في شخصية انتخابية يعني أننا أمام مرشح قادر بالفعل على إحداث تغيير إيجابي في القوانين والإضافة إليها بما يخدم مصلحة الوطن والمواطنين. وعندما تتجسد هذه الصفات في غالبية الممثلين المنتخبين، فإن الدولة تكون قد اكتسبت بالفعل قوة دافعة حقيقية وشخصيات قادرة على العطاء وخدمة هذا الوطن بصدق وإخلاص. هذا هو الفارق الجوهري بين الدول التي تقدمت وتحولت إلى دول ديمقراطية حقيقية، واستطاعت أن تقفز باقتصادياتها إلى مصاف الدول الأكثر رفاهية، وبين الدول التي تمارس الديمقراطية بطريقة خاطئة بهدف الوصول إلى قبة البرلمان لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، فتكون أقل إنتاجًا وأقل حضورًا وتأثيرًا، وحينها لا يجب البكاء والحزن من واقع مؤلم وغير مرغوب فيه.
الانتخاب في القوانين والمواثيق الدولية: حق أساسي من حقوق الإنسان
لقد نصت جميع المواثيق الدولية بوضوح على حق الانتخاب، وعدّته حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وتجلى ذلك في العديد من الوثائق الهامة، منها:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1949: نصت المادة (21) منه على حق المشاركة في الحكم والشؤون العامة، مع التأكيد على دور الانتخابات في ضمان قاعدة السلطة للحكم.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966: أكدت المادة (25) منه على حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة عن طريق الانتخابات، وحق المواطن في أن تتاح له فرصة التمتع بهذا الحق دون أي تمييز.
- الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز العنصري عام 1979: طالبت بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في حق الانتخاب والترشح.
- الميثاق العربي لحقوق الإنسان عام 2004: تضمن هذا الميثاق حق المواطن في حرية الممارسة السياسية، والمشاركة في إدارة الشؤون العامة إما مباشرة أو عن طريق ممثلين منتخبين بطريقة حرة ونزيهة، مع ضمان تكافؤ الفرص للجميع في هذا الحق.
- مؤتمرات السكان وإعلان القاهرة: أكدت هذه المؤتمرات على أهمية المشاركة السياسية للمواطنين في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم.
ماذا يعني الامتناع عن التصويت في الانتخابات: بين الحق الشخصي والتعبير السياسي
هناك حالتان للامتناع عن التصويت في الانتخابات. الحالة الأولى هي الإحجام عن المشاركة عن طريق مقاطعة الانتخابات استخدامًا للحق الشخصي المكفول لكل مواطن. أما الحالة الثانية، والتي تحمل دلالات أعمق، فهي عندما يكون الامتناع عن التصويت بتوجيه أو بشكل منظم، حيث يعبر حينها عن رأي سياسي واضح مبني على عدم القناعة بالانتخابات كآلية فعالة لإدارة الدولة، أو عدم الثقة بطريقة أدائها ومخرجاتها. وهناك أيضًا شكل آخر من أشكال عدم الرضا يتمثل في المشاركة السلبية بتقديم أوراق بيضاء للتصويت، أو إفساد ورقة الاقتراع عن طريق اختيار أكثر من مرشح أو وضع علامات غير مقبولة.
تأثير المقاطعة على شرعية الانتخابات: فرصة للتفرد وتمثيل ناقص
يثور هنا تساؤل هام: هل استخدام حق المقاطعة يؤثر سلبًا في شرعية الانتخابات؟ أم أنه ببساطة يعطي فرصة لا تعوض لبعض القوى السياسية بالتفرد بالساحة، وينتج عنه تمثيل ناقص لا يعكس حقيقة التوجهات الشعبية؟ بالإجابة على هذا السؤال، يمكن القول بكل تأكيد أنه عندما يقتصر التمثيل في البرلمان على فئة محددة من الشعب، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، فإن هذا التمثيل سيكون معاقًا وقاصرًا، ولا يعبر بحق عن المشاركة الديمقراطية الواسعة التي هي الأساس الصلب لنجاح الديمقراطية النيابية.
الخلاصة: إلزام دستوري بالمشاركة لتمثيل الشعب بأكمله
في نظرة فاحصة ومتعمقة على ما سبق، نجد أن هناك إلزامًا دستوريًا ضمنيًا بإجراء الانتخابات والتأكيد على أهمية المشاركة الفعالة بها، وذلك بهدف تحقيق تمثيل حقيقي للشعب بأكمله، دون أن يكون هذا التمثيل مقتصرًا على فئة معينة اجتماعية أو سياسية. فكلما اتسعت الدائرة التي تؤيد سلطة إدارة الدولة أو التي اختارتها عبر صناديق الاقتراع، كانت هذه السلطة أكثر مقبولية وأكثر واقعية وقربًا من طموحات الشعب، وستكون في النتيجة ممثلة لكل أطياف الشعب، مما يمنحها الزخم والقوة اللازمين لأداء متميز وتحقيق تطلعات المواطنين.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية





