أسطورة مصرية لايعرفها إلا القليلون
تقرير: سامح طلعت
في زمن اختلت فيه موازين البطولة، وأصبح لقب “أسطورة” يُطلق على كل من هب ودب، يصبح من الضروري أن نتذكر نحن المصريين، نحن الإعلاميين، أولئك الذين ضحوا بزهرة شبابهم في الخنادق، الذين عادوا ليصنعوا كرامة أمة كانت على وشك الضياع. أولئك الأبطال الحقيقيون، الذين يستحق كل واحد منهم أن يُقام له متحف خاص يليق بتضحياته العظيمة. لقد رفعوا رؤوسنا عالياً، ومنحونا قيمة ووجوداً ونحن لم نولد بعد. فلولا تضحياتهم الجسام، لكنا اليوم نتعاير من القريب قبل الغريب، ولكانت صفحات تاريخنا مليئة بالخزي والهوان.
أساطير الجيش المصري المجهولون: نماذج من البطولة والتضحية
وسط هؤلاء الأبطال الذين صنعوا تاريخ مصر بدمائهم وتضحياتهم، تبرز أسماء قد لا يعرفها الكثيرون، ولكن بطولاتهم تستحق أن تُروى وتُخلد في صفحات التاريخ. إنهم أساطير الجيش المصري المجهولون، الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن دون انتظار لشهرة أو تقدير. ومن بين هؤلاء الأبطال الأسطوريين، يسطع نجم مجند مقاتل من صعيد مصر الأبي:
المجند المقاتل عبد الرؤوف جمعة عمران: قاهر الإسرائيليين الذي طواه النسيان
إنه المجند المقاتل عبد الرؤوف جمعة عمران، ابن محافظة سوهاج الباسلة، وأحد أبطال معركة “السبت الحزين” الشهيرة في حرب الاستنزاف. هذا البطل المصري الشاب تمكن بصلابته وإيمانه من قهر جنود الاحتلال الإسرائيلي في قلب سيناء، ولكن للأسف، طوته صفحات التاريخ بين سطورها، ولم يحظَ بالتقدير الذي يستحقه حجم بطولته وتضحياته.
“مهمة بلا عودة”: إنزال كتيبة صاعقة في عمق سيناء
في صباح السادس من أكتوبر عام 1973، يوم العزة والكرامة، نفذت القوات المسلحة المصرية عملية إنزال جريئة في عمق سيناء المحتلة. قامت طائرات هليكوبتر عسكرية مصرية بإسقاط كتيبة صاعقة فدائية فيما وصف لاحقاً في سجلات وزارة الدفاع المصرية بأنها “مهمة بلا عودة”. كانت المهمة محددة وغاية في الخطورة: إيقاف أي إمدادات إسرائيلية أو إقلاع أو هبوط لأي طائرة إسرائيلية من وإلى مطار أبو رديس الاستراتيجي في عمق سيناء، وتأسيس نقطة استطلاع متقدمة لجمع المعلومات وتوجيه النيران.
إبادة الكتيبة وبقاء أربعة أبطال خلف خطوط العدو
خلال تنفيذ هذه المهمة البطولية التي انتهت بنجاح ساحق في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، أُبيدت الكتيبة بالكامل تقريباً. لم يتبقَ من هؤلاء الفدائيين الأبطال سوى أربعة أفراد فقط تمكنوا من البقاء على قيد الحياة بمفردهم خلف خطوط العدو الإسرائيلي، في قلب منطقة سيناء التي كانت تحت السيطرة الكاملة للعدو.
إصابة قاتلة وإصرار خارق على استكمال المهمة
كان من بين هؤلاء الأربعة الأبطال، المجند المقاتل عبد الرؤوف جمعة عمران. في إحدى الاشتباكات الشرسة مع قوات الاحتلال، أصيب عبد الرؤوف بدفعة رشاش متعدد انتقامية من مدرعة إسرائيلية مرتبكة كانت تدور بالقرب من موقعه. اخترقت الطلقات فخذه وظهره وخرجت من ساقه ومثانته، وهي إصابات تعتبر قاتلة في أغلب الحالات وتستدعي تدخلاً طبياً فورياً وعناية مركزة. ولكن هذا البطل المصري أظهر منتهى الجلد والإصرار الخارق، وبدون أي تدخل طبي، قام بعلاج نفسه بنفسه بقدر ما استطاع، واستمر في أداء مهمته البطولية خلف خطوط العدو.
مائتا يوم من الاستطلاع والتوجيه خلف خطوط العدو
لم يتوقف دور عبد الرؤوف عند البقاء على قيد الحياة رغم إصاباته البالغة، بل استمر في عمليته الاستطلاعية وتوجيه النيران عبر جهاز اللاسلكي طيلة مائتين يوم كاملة! تخيلوا هذا البطل، يقفز فوق كل شبر من رمال سيناء الملتهبة بمنتهى البطولة والشجاعة، ليس لساعات ولا أيام ولا أسابيع، بل لمائتي يوم كاملة وهو يعاني من إصابات قاتلة يفترض بها أن تودي بحياته في الحال وتستدعي حجزه في العناية المركزة.
“عايش حلاوة روح”: شهادة بدوي تكشف بطولة مجهولة
لم يبلغ عبد الرؤوف عن فداحة إصاباته، وظل يعتبر في عداد “المفقودين في العمليات” لمدة ثلاثة أسابيع بعد انقطاع أخباره. ولكن شاء القدر أن يعلم بأمره جهاز المخابرات والاستطلاع من خلال أحد رجاله من البدو، الذي كان يقوم بإمداده بالطعام والشراب مرة كل ثلاثة أيام. عندما انقطعت أخبار عبد الرؤوف لثلاثة أسابيع، أبلغ الدليل البدوي قائده قائلاً بذهول: “يا فندم العسكري ده عايش حلاوة روح، اللي زيه المفروض يكون اندفن وبنصلي عليه غائب!”
عودة البطل المنسحب على الأقدام بعد سبعة أشهر من الإصابة
بعد مرور سبعة أشهر كاملة على إنزاله خلف خطوط العدو وإصابته القاتلة وامتزاج دمائه تراب أرض سيناء الطاهرة، عاد عبد الرؤوف منسحباً على الأقدام. كانت شمس سيناء الحارقة قد لوحت بشرته، وشعث شعره، وتمزق حذاؤه العسكري، ولكنه عاد حاملاً معه قصة بطولة وإصرار لا يصدق. لقد وصل إلى خطوطنا في الثاني والعشرين من أبريل عام 1974، شاهداً حياً على عظمة الجندي المصري وقدرته على التحمل والتضحية.
المشير أحمد إسماعيل يؤدي التحية العسكرية لبطل بتراب المعركة
عندما وقف المشير أحمد إسماعيل، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية آنذاك، أمام هذا البطل الأسطوري العائد من قلب المعركة، لم يتردد لحظة واحدة في أن يؤدي له التحية العسكرية أمام بطولته الاستثنائية. لقد وقف المشير الجليل يؤدي التحية العسكرية لمجند مصري بسيط، ولكنه كان بطلاً عظيماً عاد من الموت حاملاً معه تراب المعركة على ملابسه وحتى على حذائه العسكري الممزق الذي لم يغيره طوال سبعة أشهر من القتال والصمود. كانت تلك اللحظة تجسيداً حقيقياً لتقدير القيادة المصرية لتضحيات جنودها الأبطال.
فى النهاية
إن قصة البطل المجند المقاتل عبد الرؤوف جمعة عمران هي مجرد مثال واحد من قصص بطولات وتضحيات لا حصر لها قدمها أبناء مصر الأبطال دفاعاً عن تراب الوطن وكرامة الأمة. إنهم الأبطال الحقيقيون الذين صنعوا تاريخنا بدمائهم وعرقهم وتضحياتهم، والذين يستحقون منا كل التقدير والاحترام والذكر الدائم. يجب علينا ألا ننسى هؤلاء الذين ضحوا بأزهار شبابهم في الخنادق، والذين عادوا ليمنحونا قيمة ووجوداً. فلولاهم، لما كنا نحن هنا اليوم. فلنخلد ذكراهم ونروِ قصص بطولاتهم للأجيال القادمة، لتبقى ذكراهم حية في قلوبنا ووجداننا إلى الأبد.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية
العدد الأول من مجلة أبطال صنعوا التاريخ





