
الاستراتيجية العسكرية المصرية في عهد السيسي
بقلم : عطيه ابراهيم فرج
التحوّل في السياسة الدفاعية المصرية :
شهدت السياسة الدفاعية المصرية تحولاً جوهرياً خلال العقد الماضي، تخطّى مفهوم التسلّح التقليدي نحو إستراتيجية شاملة ترتكز على توطين الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات التصنيعية المحلية. جاء هذا التحوّل في سياق إقليمي متقلّب، وسط تحديّات أمنية معقّدة وانتقادات محلية حول أولويات الإنفاق. تهدف هذه المقالة إلى تحليل ملامح هذه الإستراتيجية والأبعاد الاستباقية الكامنة وراءها، لا سيما في ظل التوقعات بتحوّلات جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
من التسلح إلى التصنيع فلسفة جديدة للقدرات العسكرية :
لم يقتصر مسار التحديث العسكري المصري على مجرد عمليات شراء أسلحة، بل تجاوز ذلك إلى إحداث طفرة نوعية في مجال التصنيع العسكري. تمثلت الرؤية في بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على تصميم وتطوير وتصنيع منظومات متقدمة، مما يقلل الاعتماد على الخارج ويضمن استدامة القدرات القتالية. هذا المنحى يعكس فهماً عميقاً لدروس التاريخ العسكري، حيث تبيّن أن ضمان الأمن القومي لا يتحقق بترسانة أسلحة مستوردة فحسب، بل بقدرة ذاتية على الإنتاج والصيانة والتطوير.
الرؤية الاستباقية ومواجهة التحديات الإقليمية :
تكشّفت الحكمة من التركيز على التصنيع العسكري مع تعاقب الأحداث الإقليمية. لقد مثّل القرار استثماراً في المستقبل، استشعاراً لتطوّرات قد تعيد تشكيل خريطة التوازنات في الشرق الأوسط. تشير القراءات إلى أن هذا المسار كان محاولةً لتهيئة الجيش المصري لأي سيناريوهات محتملة، مما يحفظ للدولة مقدراتها على حرية الفعل والتصرف. وقد بدت هذه الرؤية الاستباقية أكثر وضوحاً في ضوء الخطابات والمراسلات الدبلوماسية التي حذّرت من أحداث وشيكة في الإقليم، ودعت إلى الاستعداد لما هو قادم.
تفنيد الانتقادات وتحليل الأولويات :
واجهت هذه السياسة في بداياتها انتقادات من بعض الأوساط التي تساءلت عن أولوية الإنفاق على التسلح في ظل احتياجات تنموية ملحّة. غير أن تتابع السنوات أثبت أن هذا الاستثمار لم يكن ترفاً، بل ضرورة حتمية في بيئة إقليمية لا تهدأ. لقد سبقت الرؤية الاستراتيجية وقتها، حيث أدركت أن بناء القوة الذاتية هو الضامن الحقيقي للاستقرار الداخلي والقدرة على حماية المصالح في الخارج. وبالتالي، تحوّلت القوة العسكرية المصرية من مجرد أداة ردع إلى ركيزة لسياسة خارجية فاعلة ومستقلة.
دروس مستفادة واستشراف للمستقبل :
يكشف المسار المصري في توطين
الصناعة الدفاعية عن درس بالغ الأهمية: وهو أن الأمن القومي يُبنى على رؤية طويلة المدى وجرأة في اتخاذ القرار، حتى لو كانت تلك القرارات غير شعبية في لحظتها. لقد وضعت مصر نفسها، عبر هذه الإستراتيجية، في موقع أكثر قوة لمواجهة التحديات الإقليمية المتوقعة. ويبقى المستقبل هو الحكم الأكبر على نجاعة هذه الخيارات، لكن المؤشرات الحالية تُظهر أن الاستثمار في القدرات الذاتية كان رهاناً صائباً في عالم تزداد فيه عدمية اليقين وتعقيد التهديدات.





