أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفاعليات ثقافيةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتمقالات تِكمنوعاتنثرنجوم الأسبوع العربي

سلسلة مهارات الكتابة الادبية

من أين تأتي الحكاية؟

سلسلة مقالات أدبية عن مهارات الكتابة الأدبية

بقلم / أحمد درويش العربي

مقالات ذات صلة

الجزء الأول من المقالة الأولى:

من أين تأتي الأفكار؟ وكيف تتحول إلى حكايات؟

ليست كل الحكايات العظيمة قد بدأت بأحداث استثنائية، ولا كل القصص التي تركت أثرا عميقا في نفوس قرائها ولدت من وقائع كبرى أو تجارب مدهشة.

أحيانا تبدأ الحكاية من نظرة عابرة، أو جملة قيلت في غير موضعها، أو وجه غريب لمحناه وسط زحام الطريق، أو ذكرى قديمة ظلت نائمة في ركن بعيد من الذاكرة، حتى أيقظتها مصادفة صغيرة.

فالكاتب لا ينتظر دائما أن تأتيه الحكاية مكتملة، ولا يجلس بالضرورة أمام ورقة بيضاء حتى تهبط عليه فكرة عبقرية. إنه، في جوهره، إنسان يتأمل العالم بعين مختلفة؛ يرى ما يمر عليه الآخرون دون انتباه، ويصغي إلى ما يختبئ خلف الكلمات، ويبحث عن الحكاية في التفاصيل التي تبدو عادية، لكنها قد تحمل في داخلها عالما كاملا من المشاعر والتناقضات والأسئلة.

لكن السؤال الذي يواجه كل من يطرق باب الكتابة الإبداعية هو: هل كل فكرة تصلح لأن تكون قصة؟ وهل تكفي الفكرة وحدها لكي نبدأ الكتابة؟ أم أن بين الفكرة والقصة مسافة تحتاج إلى خيال وخبرة ووعي بفن الحكي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فهم الكتابة الأدبية، والتعرف على الكيفية التي تتحول بها الخواطر العابرة إلى أعمال إبداعية قادرة على التأثير في القارئ.

أولا: الفكرة والموضوع والحكاية… ثلاثة مفاهيم لا تعني شيئا واحدا

كثيرا ما يخلط المبتدئون بين الفكرة والموضوع والحكاية، مع أن لكل منها طبيعة ووظيفة مختلفة في بناء العمل الأدبي.

الفكرة هي الشرارة الأولى التي توقظ خيال الكاتب.

قد تكون سؤالا، أو موقفا، أو صورة، أو مفارقة إنسانية تستوقفه وتدفعه إلى التأمل. إنها الومضة التي تضيء الطريق، لكنها ليست الطريق نفسه.

لنتخيل مثلا أن خطرت لك فكرة عن رجل يذهب كل يوم إلى محطة القطار، رغم أنه لا ينتظر قطارا ولا ينتظر أحدا.

هذه الفكرة تثير الفضول، وتدفعنا إلى طرح أسئلة كثيرة، لكنها لا تزال مجرد مدخل محتمل لحكاية.

أما الموضوع فهو المجال الإنساني أو الفكري الذي تدور حوله الكتابة.

فإذا كانت الفكرة تتعلق برجل يذهب يوميا إلى محطة القطار، فقد يكون الموضوع هو الوحدة، أو الانتظار، أو الفقد، أو العجز عن التصالح مع الماضي.

وهنا نصل إلى الحكاية، وهي المرحلة التي تتحول فيها الفكرة إلى عالم متكامل من الشخصيات والأحداث والصراعات والتحولات.

لم يعد الأمر مجرد رجل يقف في محطة قطار، بل أصبحنا أمام إنسان له ماض، وسبب يدفعه إلى العودة، ورغبة لم تتحقق، وربما سر يخشى انكشافه، وحدث يضعه أمام اختيار لا يستطيع الهرب منه.

وبعبارة أكثر وضوحا:

  • الفكرة تمنحنا الشرارة الأولى.
  • الموضوع يمنحنا المجال الذي نفكر ونكتب من خلاله.
  • الحكاية تمنحنا الشخصيات والأحداث والصراع الذي يجعل القارئ راغبا في معرفة ما سيحدث بعد ذلك.

وهنا تكمن إحدى أهم مهارات الكاتب: ألا يكتفي بامتلاك فكرة مثيرة، بل يعرف كيف يمنحها الحياة ويحولها إلى حكاية تستحق أن تروى.

ثانيا: من أين تأتي الأفكار؟

من أكثر الأسئلة التي يطرحها الكتّاب المبتدئون: من أين نحصل على الأفكار؟ وكأن الأفكار بضاعة نذهب إلى مكان محدد لشرائها!

والحقيقة أن الأفكار لا تأتي من مصدر واحد، بل تتسلل إلينا من منافذ كثيرة، بعضها واضح وبعضها خفي.

*الحياة اليومية والتفاصيل الصغيرة

قد تأتي الفكرة من مشهد عابر في حافلة، أو مشاجرة بين جارين، أو امرأة تتحدث إلى هاتفها بصوت خافت، أو طفل يسأل سؤالا يعجز الكبار عن الإجابة عنه.

فما يبدو للآخرين موقفا عاديا قد يتحول في عين الكاتب إلى بداية حكاية كاملة.

والفرق هنا ليس في المشهد نفسه، وإنما في قدرة الكاتب على ملاحظته والتأمل فيه واكتشاف ما قد يختبئ وراءه.

*الذاكرة والتجارب الإنسانية

وقد تأتي الأفكار من الذاكرة؛ من موقف قديم لم نفهم دلالته وقت حدوثه، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان أكثر عمقا مما تصورنا.

فالذاكرة ليست مجرد مخزن للأحداث، بل هي مختبر يعيد تشكيل التجارب ويمنحها معاني جديدة.

وقد تتحول ذكرى صغيرة من الطفولة، أو كلمة سمعناها منذ سنوات، أو موقف لم نستطع نسيانه، إلى مادة أدبية ثرية.

* الأخبار والحوادث الواقعية

وقد تولد الأفكار من الأخبار والحوادث الواقعية، ليس بهدف إعادة سردها كما وقعت، وإنما بالتأمل فيما وراءها من أسئلة إنسانية.

فالكاتب لا يكتفي بأن يعرف أن شخصا اختفى، بل يسأل نفسه:

ماذا لو كان اختفاؤه رغبة في أن يعثر عليه شخص واحد بعينه؟

وماذا لو كان الغياب أكثر حضورا من الوجود؟

إن هذه الأسئلة تفتح أمام الكاتب احتمالات متعددة، وتمنحه مساحة واسعة لإعادة تشكيل الواقع من خلال الخيال.

* الأسئلة التي لا نجد لها إجابات سهلة

هناك أفكار تولد من أسئلة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تحمل في داخلها احتمالات درامية وإنسانية عميقة.

تأمل هذه الأسئلة:

*ماذا لو عاد إنسان إلى بيته بعد غياب عشرين عاما، فوجد أن أحدا لم يلاحظ غيابه؟

*ماذا لو اكتشفت امرأة أن الرسائل التي كانت تصلها باسم زوجها الراحل لم يكتبها هو؟

*ماذا لو عاش شخص حياته كلها في انتظار اعتذار لن يأتي أبدا؟

هذه الأسئلة ليست حكايات مكتملة، لكنها تفتح أبوابا واسعة أمام الخيال، وتدفع الكاتب إلى البحث عن الشخصيات والدوافع والأحداث التي يمكن أن تجعل منها قصصا مؤثرة.

* التناقضات الإنسانية

ولعل أهم مصادر الأفكار هو التناقض الإنساني؛ فبين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وبين ما يتمناه وما يخشاه، وبين صورته أمام الآخرين وحقيقته في داخله، تولد مساحات ثرية للكتابة.

فالإنسان نفسه حكاية لا تنتهي، وكلما اقترب الكاتب من أعماقه اكتشف أن أكثر الوقائع بساطة قد تخفي وراءها صراعا يستحق أن يروى.

ثالثا: كيف نلتقط الفكرة قبل أن تضيع؟

الأفكار كائنات مراوغة؛ تأتي أحيانا في أكثر اللحظات انشغالا، ثم تختفي بمجرد أن نحاول استعادتها.

وقد يلمع في الذهن مشهد يصلح لبداية رواية، أو جملة تبدو كأنها مفتاح لحكاية مؤثرة، لكننا نؤجل تسجيلها اعتمادا على ذاكرتنا، ثم نكتشف أنها تبخرت ولم يعد من السهل استعادتها.

لذلك يحتاج الكاتب إلى اكتساب عادة بسيطة، لكنها بالغة الأهمية: أن يسجل كل ما يثير انتباهه.

ليس مطلوبا أن يكتب قصة كاملة كلما خطرت له فكرة، بل يكفي أن يدون ملاحظة صغيرة، أو سؤالا، أو صورة ذهنية، أو حوارا سمعه مصادفة.

يمكنه أن يحتفظ بدفتر صغير يصاحبه، أو يستخدم تطبيق الملاحظات في هاتفه، ويخصص مساحة لما يمكن أن نسميه (بنك الأفكار )

لكن تسجيل الفكرة لا يعني مجرد تدوين عنوانها، بل من الأفضل أن يحاول الكاتب الإمساك بالعنصر الذي أثار فضوله فيها.

ولنقارن بين مثالين:

الملاحظة الأولى:

(رجل ينتظر في محطة القطار)

أما الملاحظة الثانية:

(رجل ينتظر في المحطة منذ عشر سنوات، مع أنه يعرف أن المرأة التي ينتظرها ماتت منذ زمن، لكنه لا يستطيع العودة إلى بيته قبل أن يسمع صفارة القطار الأخير)

هنا لم نعد أمام ملاحظة عابرة فقط، بل أمام نواة تحمل سؤالا دراميا، وتدفع الخيال إلى البحث عن التفاصيل.

من تكون هذه المرأة؟ ولماذا ينتظرها رغم علمه بوفاتها؟ وما السر الذي يربطه بهذه المحطة؟ وهل سيظل أسيرا لهذا الانتظار إلى الأبد؟

كل سؤال من هذه الأسئلة يمكن أن يفتح بابا جديدا في بناء الحكاية.

من المهم أيضا ألا يتعجل الكاتب الحكم على أفكاره.

فبعض الأفكار تبدو ضعيفة في لحظة ولادتها، لكنها تنضج مع الوقت، وبعضها يبدو مدهشا في البداية ثم يفقد بريقه عندما نحاول تطويره.

والكتابة الإبداعية ليست سباقا مع الزمن، وليست كل فكرة تلمع في الذهن مطالبة بأن تتحول فورا إلى قصة.

الفكرة تحتاج أحيانا إلى أن نتركها جانبا، ونعود إليها بعد أيام، لنتأملها من زاوية مختلفة، ونكتشف ما إذا كانت لا تزال قادرة على إثارة فضولنا.

وقد نكتشف أن الفكرة الأصلية لم تكن سوى باب يقودنا إلى فكرة أخرى أكثر عمقا وجاذبية.

فالكاتب الجيد لا يبحث فقط عن الأفكار، بل يتعلم أيضا كيف يمنحها الوقت الكافي لتنضج، وكيف يختبر قدرتها على التحول إلى عمل أدبي متماسك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى