
العار
بقلم: أحمد سامي التماسحي
كلمة تُوجع… وواقع يكشف
عندما أسمع هذه الكلمة الثقيلة، أتذكّر فيلم العار (إنتاج 1982).
أبٌ يعمل تاجر عطارة، تبدو عليه علامات الهيبة والوقار والتديّن. وبعد وفاته، يجتمع أبناؤه الثلاثة — طبيب وضابط وتاجر — لتقسيم التركة.
سرعان ما تنكشف الحقيقة الصادمة: الأب وضع كل ثروته في صفقة مخدرات. ولا يكتفي الابن التاجر بكشف السر، بل يطلب من أخويه مساعدته في استخراجها وتخزينها.
هنا تتجلّى المفارقة القاسية:
الطبيب الذي يعالج من هذا السم، والضابط الذي يطبّق القانون… يتحوّلان إلى شركاء في الجريمة.
وهنا يبدأ العار الحقيقي.
ما هو العار؟
العار ليس مجرد كلمة، بل حالة من السقوط الأخلاقي؛
هو كل ما يلحق بالإنسان من عيب أو سُبّة أو ذلّ، يجرّده من كرامته، ويضعه في موضع الفضيحة أو النبذ الاجتماعي.
قديمًا، كان العار يُقابل بالرفض المجتمعي، وكان المثل يقول:
«المتغطي بثوب العار عريان».
أما اليوم، فقد تبدّلت المعايير، وأصبح العار في بعض الأحيان وسيلة للشهرة، و”ترندًا” يُكافأ عليه صاحبه!
صراع القيم في زمن المادة
الفيلم ليس مجرد قصة، بل مرآة لواقع يتآكل فيه الضمير.
فالصراع لم يعد بين الخير والشر فقط، بل بين:
القيم والعادات والتقاليد
والطمع والواقع الاقتصادي المادي
حتى أصبحت كثير من المجالات لا يحكمها الحلال والحرام، ولا العيب والفضيلة، بل يحكمها ميزان الربح والخسارة.
كيف تغيّرت المعايير؟
تفرض علينا هذه التحولات أسئلة موجعة:
كيف تتخلى الأم عن أمومتها، وتترك أبناءها بلا توجيه أو رعاية؟
كيف يتخلى الرجل عن رجولته، ويفرّط في خصوصية بيته وكرامته؟
كيف ماتت الشهامة والمروءة؟
فمن يفرّط في عرضه، يفرّط في أرضه… وكلاهما شرف لا يُعوّض.
أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة مجتمع
ليست المشكلة في الخطاب الديني وحده، بل في غياب الضمير عند بعض من يقدّمونه.
وتُروى قصة دالة:
ذهب رجل إلى رجل دين يسأله عن حائطٍ بال عليه كلب، فأجابه بوجوب هدمه وبنائه سبع مرات.
ثم سأله: وماذا لو كان الحائط بيني وبينك؟
فأجابه: يكفيه قليل من الماء!
هنا تتجلى ازدواجية المعايير، حين يُطبّق الحكم بصرامة على الآخرين، ويُخفف على النفس.
أدوار غابت… فاختلّ الميزان
الأم: مدرسة، إذا أُعدّت أعدّت شعبًا طيب الأعراق.
المرأة: نصف المجتمع، وتربي النصف الآخر.
الأب: عماد البيت، وبه يتحقق الأمان والاستقرار.
رجل الدين: ضمير الأمة.
فإذا غاب الضمير عن هؤلاء، ضاع المجتمع بأكمله.
تبرير الحرام… بداية الانهيار
من أقوى مشاهد الفيلم، حين يبرر التاجر (نور الشريف) تجارة المخدرات بقوله:
“إنها نباتات مثل العطارة… إن كانت حلالًا شربناها، وإن كانت حرامًا أحرقناها!”
فيرد عليه إخوته ساخرين:
“يا ريت أبانا علّمنا… عشان نبقى زيك وما يبقاش عندنا وجع ضمير!”
هنا لا يكون الخطر في الفعل فقط، بل في القدرة على تبريره.
الخاتمة: حين يخسر الإنسان كل شيء
في النهاية، يختار الإخوة الطريق السهل، فيتركون وظائفهم وينخرطون في تجارة المخدرات، لكنهم يفشلون في إدارتها ويفقدونها.
وكأن الرسالة واضحة:
من يقدّم القيمة المادية على القيم الأخلاقية… يخسر الاثنين معًا.





