
بقلم/د.لينا أحمد دبة
ليست كل عداوة تبدأ بسببٍ واضح، ولا كل خصومة تُولد من موقفٍ صريح. أحيانًا، تنشأ العداوة من مكانٍ خفي داخل الإنسان؛ من شعورٍ بالنقص لا يُقال، ومن مقارنةٍ صامتة تُرهق صاحبها قبل غيره. فبعض الناس لا يعادونك لأنك أسأت إليهم، بل لأنك ذكّرتهم بشيءٍ يفتقدونه في أنفسهم.
ذلك الشعور الخفي قد يكون ضعفًا في الثقة، أو خوفًا من التفوق، أو حتى إحساسًا داخليًا بعدم الكفاية. وعندما يعجز الإنسان عن مواجهة هذا النقص، يبحث عن طريقةٍ للهروب منه، فيُسقطه على الآخرين. فيُحوّل الإعجاب إلى غيرة، والاختلاف إلى تهديد، والنجاح إلى استفزاز.
ومن هنا تبدأ العداوة… لا كحقيقة، بل كردة فعل.
أما القوي، فقصته مختلفة تمامًا. القوي لا يرى في نجاح الآخرين خطرًا عليه، ولا يشعر بأن وجود غيره يُقلل من قيمته. لأنه ببساطة، يعرف نفسه جيدًا، ويُدرك أن لكل إنسان مساره الخاص. لذلك لا يحتاج أن يُعادي أحدًا ليُثبت ذاته، ولا أن يُطفئ نور غيره ليشعر بأنه يلمع.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على المواجهة فقط، بل في السلام الداخلي الذي يمنعك من الدخول في معارك لا تخصك. أن تكون قويًا يعني أن تتجاوز الاستفزاز، وأن تختار الصمت حين لا يستحق الكلام، وأن تفهم أن بعض العداوات لا تحتاج ردًا، بل تحتاج وعيًا.
وفي كثير من الأحيان، يكون أفضل انتصار هو ألا تنخرط في الصراع من الأساس. أن تترك الآخرين مع مشاعرهم، وتكمل طريقك دون أن تحمل في قلبك ما لا يشبهك.
فالعداوة التي تُبنى على نقص… لا تُعالج بالتصعيد، بل بالتجاهل الواعي.
والقوة التي تُبنى على وعي… لا تعرف طريقًا للعداوة أصلًا.
في النهاية، الناس لا يكشفون أنفسهم في الحب فقط، بل في العداء أيضًا.
ومن يفهم هذا جيدًا… يختار أن يكون أكبر من كل ذلك، وأهدأ من أن يُستفز، وأقوى من أن يُعادي.





