بقلم: رجلٌ نفتهُ الدماءُ.. واستوطنَ الوجعُ شيبتَه في غمرةِ الحياةِ وصخبِ مسمّياتها، ننسى أحياناً أنَّ “الأصلَ” هو مَن منحَ “الفرعَ” مكانتَه، وأنَّ الشجرَ الذي لا يظللُ جذورَه هو حطبٌ تذروهُ الرياحُ وإنْ طالَ السماء. اليوم، نكتبُ عن مشهدٍ يتجاوزُ حدودَ القسوة، حيثُ يقفُ رجلٌ تجاوزَ الستين، مثقلاً ليس فقط بسنينِ الكفاح، بل بجسدٍ أوهنته “الجلطة” في يده وقدمه، ليجدَ نفسَه يفترشُ “البلاطَ” الباردَ في غرفةٍ يخرُّ سقفها بماءِ المطر. مأساة الستين.. بين الجلطة والجحود . ليست المأساةُ في الفقرِ وحده، بل في أنَّ هذا الرجل المريض يتقاضى “معاشاً” يذهبُ نصفه ثمناً لجرعات الدواء، ونصفه الآخر لجلسات “العلاج الطبيعي” فقط ليمتلك القدرة على سحب جسده المثقل والوصول إلى دورة المياه! في هذا المشهد المؤلم، يغيب الأبناء “الأطباء والتجار” الذين يتقلبون في رغد العيش، تاركين أباهم يصارع المرض والبرد والجوع على بلاطٍ لا يرحم شيبته ولا مرضه. أقنعةٌ برداءِ الإنسانية يا للعجب! “ابنٌ طبيب أسنان” يداوي آلام الغرباء ويصلح ثغورهم، بينما يتركُ والده يصارع آثار الجلطة وحيداً بلا فراش ولا غطاء! ويا لضيعةِ “الابن الأكبر” تاجر الدواجن، الذي انقاد خلف تحريض أمه والأخوال، وعاقب أباه المريض بطرده من مسكنه ليفترش الأرض مع أطفاله الصغار وزوجته. أيُّ دينٍ هذا وأيُّ مروءةٍ تسمحُ لابنٍ أن يشتم أباه الستيني المريض عبر الهاتف بدلاً من أن يقبل يده طلباً للغفران؟ خريفُ الرحمةِ وقطيعةُ الأرحام ولم تكتمل فصول الغدر إلا بمشاركة “العشيرة”؛ من أخٍ جائر استقوى بماله وأبنائه ليظلم أخاه المريض، إلى أولاد أختٍ مرحومة انقادوا خلف “أختهم الكبرى” المحرضة، فصاروا يمرون بخالهم الذي يجرُّ قدمه جراً من أثر الجلطة وكأنهم لا يعرفونه. لقد تكتّلوا جميعاً على رجلٍ أعزل، مريض، ومكلوم، ظانين أنَّ صمت الستين هو عجز، وأنَّ انكسار الجسد هو نهاية المطاف. تحتَ سُقوفِ المطر.. صرخة المظلوم . الآن، وبينما تبلل قطرات المطر جسد هذا الشيخ العليل، يرفع يده المرتعشة نحو السماء. هو لا يستجدي دماءً جفت مروءتها، بل يسجل “بلاغاً للرأي العام”. إنَّ الفضيحة الأخلاقية التي يعيشها هؤلاء الأبناء والأقارب هي وصمة عار لن يمحوها زمن، فكل بناء عُمرانه العقوق هو بناء آيل للسقوط الأخلاقي قبل المادي.
وفي نهاية المطاف أقول: بيني وبين هؤلاء الجاحدين قاضٍ لا يرتشي. لقد فوضتُ أمري للواحد القهار، ومن فوق “بلاطي” البارد أردد: “حسبي الله ونعم الوكيل في كل من ظلمني، وحرّض، وجحد، وعقَّ، وشتم”. hassanghrib19 @gmail.com 01274963613