
لماذا انا ….انا ؟
🖊/عماد سمير
في لحظة ما من حياتك — وغالبًا حين تكون وحدك — يتسلّل السؤال إليك دون استئذان
لماذا أنا… أنا؟
لماذا لا أكون شخصًا آخر يعيش في شارع آخر، في جسد آخر، بعينين أخريين، بذاكرة لا تحمل كل هذا الثقل؟
لماذا صحوت اليوم على هذا الاسم تحديدًا، وهذه الأفكار تحديدًا، وهذه المخاوف التي لم أخترها يومًا؟
نحن لا نولد فقط في أجساد… نحن نُلقى فجأة في قصة لم نكتب سطرها الأول.
نفتح أعيننا فنكتشف أننا وسط عالم سبقنا بقرون، يحمل قوانينه، ذاكرته، حروبه، لغته، وتعريفه للنجاح والفشل، ثم يُطلب منا ببساطة أن نكون “طبيعيين”.
لكن ما هو الطبيعي لإنسان لم يختر أن يكون هنا من الأساس؟
أنا لست مجرد جسد من لحم وعظام…
أنا مجموعة من الصُدَف المتلاحقة:
صوتان التقيا في لحظة حب أو خطأ،
طفولة تشكّلت بين كلمات قاسية وأخرى حانية،
مدرسة صادفتني، وشارع مررت به، ووجه لم أنسَه رغم مرور السنين.
هل كنت سأكون “أنا” لو أن كلمة واحدة فقط لم تُقل لي في لحظة معيّنة؟
لو أن خطوة واحدة تغيّرت في طريق عودتي إلى البيت؟
لو أن شخصًا واحدًا انسحب من حياتي قبل أوانه؟
إننا هشّون إلى درجة مرعبة.
تغيّر بسيط في الزمن، في المكان، في القرار، كفيل أن يصنع نسخة مختلفة تمامًا من “أنا”.
ورغم ذلك، نمشي بثقة زائفة، ونتصوّر أن شخصياتنا صلبة ثابتة… بينما الحقيقة أننا أشبه بماءٍ تفكّر أنه حجر.
لماذا أنا أنا؟
لأنني مجموع كل ما حدث لي، وكل ما لم يحدث.
أنا أحمل داخلي نسخًا كثيرة:
الطفل الذي خاف،
المراهق الذي تمرد،
الشاب الذي حلم،
والرجل الذي بدأ يفهم… متأخرًا قليلًا.
أنا المقارنات التي أرهقتني،
والأحلام التي خذلتني،
والأسئلة التي لم أجرؤ على طرحها.
ومع ذلك… ما زلت هنا.
ربما ليست قيمة الإنسان في كونه “مميزًا” عن غيره…
بل في كونه الوحيد الذي عاش حياته بهذه الطريقة بالضبط.
لا أحد آخر رأى العالم من نفس الزاوية، من نفس العينين، في نفس اللحظات.
قد يتشابه البشر في الوجوه والأسماء،
لكن لا تتشابه التجارب أبدًا.
ولذلك حين تسأل: لماذا أنا أنا؟
ربما تكون الإجابة الأصدق المؤلمة الجميلة:
لأن الكون، بكل اتساعه وفوضاه وتاريخه الطويل،
لم ينجح إلا مرة واحدة فقط…
في أن يخلق هذا التكوين الغريب الذي يُسمّى: أنت.
فلا تبحث عن نفسك في المرايا،
ولا في المقارنات،
ولا في قصص الآخرين.
أنت لست نسخة ناقصة من أحد…
أنت نصٌّ لم يُنشر بعد.
وأعمق ما فيك لم يُكتب حتى الآن.





