لم تكن مقولة “كلّه في همّه سارح” مجرد حكمة شعبية تُقال على عابري السبيل؛ إنها مرآة لحياة كاملة تتكثّف فيها الضغوط، وتتعالى فيها الأصوات من الداخل بينما يصمت الخارج. إنها جملة قصيرة، لكنها تحمل تاريخاً م الانكسارات والصمود، وتختصر مشهداً يومياً يتكرر في العيون قبل الكلمات.
اليوم، لم يعد الشرود رفاهية تأمل، بل حالة دفاعية يلجأ إليها الإنسان حين تضيق عليه الدنيا. فالعامل الذي يجلس لحظة على رصيف منهكاً، والأم التي تحدّق في سقف الليل تفكر في الغد، والشاب الذي يحمل أحلاماً أكبر من قدرته على تحقيقها… جميعهم ضحايا منظومة مرهقة وضغوط متراكمة لا تمنح فرصة لالتقاط الأنفاس.
السَّرَحان في الهمّ لم يعد انعزالاً، بل صراعاً داخلياً بين ما يجب فعله وما يمكن تحمّله، بين الواقع القاسي والأمل الذي لا يريد أن يموت. وكلّما تعمّق الشرود، كلما شعر الإنسان أنه يفقد شيئاً من نفسه، كأن الحياة تسحب منه طاقته قطرةً بعد أخرى دون أن يسأله أحد: هل أنت بخير؟
الأخطر من ذلك أن القلوب أصبحت متجاورة… لكن بعيدة. كلٌ يحمل حِمْله وحده خوفاً من أن يثقل على الآخرين، فاختفى الحوار، وتوارى التعاطف، وتحوّل المجتمع إلى جزر متباعدة، رغم أن الألم واحد والمصير واحد.
ورغم قتامة الصورة، ما زال الضوء ممكناً. فالبشر خُلقوا ليخفّفوا عن بعضهم، لا ليحمل كلٌّ همّه وحده. كلمة صادقة، التفاتة حانية، أو مجرد سؤال صادق قد يعيد إنساناً من حافة الانهيار إلى أرض ثابتة.
إنها دعوة لإعادة الإنسانية إلى تفاصيل حياتنا، لأننا حين ندرك أن الهمّ ليس قدراً فردياً، بل تجربة بشرية مشتركة، تصبح الرحلة أقل قسوة.