تشريع جديد لحرية تداول المعلومات في مصر
القانون والرأي العام
(بقلم الباحث الحقوقي / عمر محمد آل سعديه) مقال قانوني متخصص
حرية تداول المعلومات: حق أساسي وضرورة للدولة المتقدمة
تُعد حرية تداول المعلومات من الحقوق الجوهرية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الشفافية والمساءلة، كما أنها تُعزز أسس الديمقراطية. وفي ظل التطورات القانونية المتسارعة التي تشهدها مصر، يتبادر إلى الذهن سؤال محوري حول مدى الحاجة إلى سن تشريع جديد يضمن هذا الحق بشكل فعال، وما هو الفارق بين الوضع الحالي والطموحات المستقبلية في هذا السياق.
إن تنظيم حرية تداول المعلومات من خلال إطار قانوني حديث ومبتكر يُعد سمة بارزة للدول المتقدمة. لقد أصبح من الضروري أن تتماشى الدول، بما فيها مصر، مع هذا الاتجاه العالمي في مجال التشريعات المتعلقة بالمعلومات. ففي عصرنا الحالي، الذي يتميز بالتكنولوجيا والانفتاح الرقمي والعولمة، لم يعد مقبولًا اعتبار المعلومات حكرًا على فئة معينة أو أجهزة محددة، كما كان الحال في الأنظمة الديكتاتورية التي قامت على قمع الحريات واحتكار المعرفة كوسيلة للسيطرة على المجتمع.
عالم متغير وتدفق المعلومات: حتمية وجود بنية تشريعية حديثة
نحن نعيش اليوم في عالم مختلف جذريًا، حيث تنتقل المعلومات بسرعة فائقة عبر الحدود دون قيود تُذكر. لقد بات من الصعب على أي دولة أن تنتهج سياسة العزلة المعلوماتية أو أن تفرض قيودًا صارمة على تدفق المعرفة. لذلك، فإن وجود بنية تشريعية حديثة تُرسخ حرية تداول المعلومات وتنظمها في إطار من الشفافية والمسؤولية، يُعد من العلامات المميزة للدولة الحديثة التي تُؤمن بأهمية الوعي العام ودور المواطن في الرقابة والمشاركة في صنع القرارات.
موازنة الحق في تداول المعلومات مع المصالح العليا للدولة
في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل حقيقة أن للدولة الحق، بل والواجب، في وضع ضوابط وحدود واضحة على تداول المعلومات، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي أو بسياساتها العليا التي تمس جوهر الدولة واستقرارها. يجب أن تُصاغ هذه الحدود ضمن معايير قانونية دقيقة وتخضع لرقابة قضائية تضمن عدم تجاوزها لأهدافها المشروعة، وذلك وفقًا لمفهوم “أعمال السيادة” في النظرية القانونية، الذي يمنح الإدارة مساحة تقديرية في التعامل مع القضايا ذات البعد الأمني والسياسي.
لذا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حرية تداول المعلومات والحفاظ على المصالح العليا للدولة، وهو التوازن الذي يجب أن يتجسد في نصوص قانونية واضحة، عادلة، ومتوازنة. نأمل أن تسير الدولة المصرية في هذا الاتجاه من خلال إصدار قانون عصري يحقق هذا التوازن المنشود: قانون شامل، مانع للثغرات، منضبط، يُؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والانفتاح، دون المساس بالثوابت الوطنية أو تعريض الأمن القومي لأي تهديد.
الإطار القانوني لحرية تداول المعلومات في مصر: خطوة استراتيجية نحو التقدم
يُعد وضع قانون خاص بحرية تداول المعلومات خطوة محورية وجوهرية في مسيرة بناء صورة حديثة وواضحة للدولة المصرية أمام العالم، وذلك على عدة مستويات رئيسية:
- حقوق الإنسان: يُعتبر إقرار هذا القانون إعلانًا واضحًا باحترام مصر لحرية الرأي والتعبير وإيمانها بأن الشفافية جزء لا يتجزأ من حقوق المواطنين الأساسية. كما يعكس وجود قانون ينظم تداول المعلومات ثقة الدولة في مؤسساتها وقدرتها على التفاعل مع المواطنين بشفافية، مما يمثل نقلة نوعية في مناخ الحريات العامة.
- خدمة البحث العلمي ودعم الباحثين: تُعد حرية الوصول إلى المعلومات الدقيقة والموثقة ضرورة حتمية للباحثين والأكاديميين في مختلف المجالات. سيوفر القانون بيئة تشريعية آمنة تحترم خصوصية البحث العلمي وتُمكّنهم من الوصول إلى مصادر المعلومات بحرية ومسؤولية، مما يُحسن جودة الدراسات والأبحاث ويعزز تنافسية مصر عالميًا في مجالات العلم والمعرفة.
- حرية الصحافة والإعلام: إن تمكين الصحفيين من الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية بشكل قانوني يُعزز مصداقية العمل الصحفي ويُرسخ قيم الشفافية والنزاهة في تناول القضايا العامة. فالصحافة، كمرآة للمجتمع وعين للمواطن، لا يمكنها أداء دورها الرقابي والتوعوي بفعالية دون بيئة تسمح بتداول المعلومات بحرية وفي إطار قانوني يحترم معايير المهنية والأمانة الصحفية.
من الضروري التأكيد على أن إصدار قانون لحرية تداول المعلومات يجب أن يتم عبر المراحل التشريعية المعتادة، بدءًا من تقديمه من جهة رسمية معتبرة، مرورًا بحوار مجتمعي واسع يشارك فيه الخبراء والمتخصصون وممثلو المجتمع المدني، لضمان صياغة قانون يُلبي احتياجات المجتمع ويُحقق التوازن بين الحق في الوصول إلى المعلومات ومتطلبات الأمن القومي.
إذا نجحت الدولة المصرية في إصدار قانون فعال ومتكامل لحرية تداول المعلومات، فإنها ستحقق نقلة استراتيجية على الصعيدين الداخلي والإقليمي، وستتبوأ مكانة رائدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي في ترسيخ مبدأ الشفافية وتعزيز الحوكمة الرشيدة.
تستند حرية تداول المعلومات في مصر حاليًا إلى نصوص قانونية متفرقة، أبرزها المادة 68 من دستور 2014، التي تُقر بأن المعلومات الرسمية ملك للشعب وأن الدولة تكفل الإفصاح عنها. ومع ذلك، لم يتم حتى الآن إصدار قانون مفصل يُنظم هذا الحق بشكل شامل.
التحديات التي تواجه حرية تداول المعلومات في مصر
تواجه حرية تداول المعلومات في مصر عدة تحديات رئيسية:
- غياب التشريع المتكامل: على الرغم من وجود بعض النصوص القانونية المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومات، إلا أنها لم تُترجم إلى قانون شامل وواضح.
- التعارض مع قوانين أخرى: قد تتعارض بعض القوانين القائمة، مثل قانون العقوبات وقانون الطوارئ، مع حرية تداول المعلومات وتفرض قيودًا عليها.
- البيروقراطية الإدارية: ضعف الشفافية في المؤسسات الحكومية يُعيق سهولة الوصول إلى المعلومات المطلوبة.
- الخوف من إساءة استخدام المعلومات: تخشى بعض الجهات من أن يؤدي الإفصاح غير المنظم عن المعلومات إلى تهديد الأمن القومي.
المأمول من التشريع الجديد: نحو آليات واضحة وضمانات قانونية
قدمت مؤسسة حرية الفكر والتعبير مشروع قانون تداول المعلومات 2023 إلى الحوار الوطني، واعتُبر هذا المشروع نواة جيدة يمكن البناء عليها، مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي أصدرت قوانين لتنظيم تداول المعلومات الرسمية.
يجب أن يتضمن التشريع الجديد العناصر التالية:
- وضع قانون متكامل: ينبغي أن يُحدد القانون الجديد آليات واضحة ومفصلة لكيفية الحصول على المعلومات، مع تحديد الاستثناءات بشكل دقيق وواضح.
- إلزام الجهات الحكومية بالشفافية: يجب إلزام المؤسسات العامة بنشر المعلومات بشكل دوري وتلقائي دون الحاجة إلى تقديم طلب للحصول عليها.
- دور الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء: يعتبر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بموجب القانون رقم 2915 لسنة 1964، الجهة الرسمية الرئيسية للحصول على المعلومات التي تمثل الدولة. يجب أن يُنظم التشريع الجديد آليات طلب المعلومات من الجهاز وإلزامه بمواعيد قانونية للرد على هذه الطلبات.
- توفير ضمانات قانونية: يجب توفير ضمانات قانونية لحماية الأفراد الذين يطلبون المعلومات من التعرض لأي مساءلة غير قانونية نتيجة لذلك.
إن إصدار تشريع جديد لحرية تداول المعلومات في مصر يُعد ضرورة مُلحة لتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، وهو ما يتطلب توافقًا حقيقيًا بين الدولة والمجتمع لتحقيق التوازن بين الحق في المعرفة وضرورة حماية الأمن القومي. ولتحقيق المأمول في هذا المجال، لا بد من إرادة سياسية قوية وإصلاحات قانونية جادة تضمن ممارسة هذا الحق بشكل فعال ومستدام. فالبيانات والمعلومات هي بمثابة الوقود الذي يُغذي العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى رأسها البحث العلمي. من خلال توفير معلومات موثقة وواقعية، يمكن للدولة والحكومة بناء استراتيجيات وسياسات مستنيرة في مختلف المجالات، وتعزيز ثقة المجتمع الدولي في مصر كدولة تحترم مبادئ الحرية والعدالة والتعليم والبحث العلمي.
القانون والرأي العام
(بقلم الباحث الحقوقي / عمر محمد آل سعديه) مقال قانوني متخصص
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية





