أدب

المتسلطون في الأرض: أصحاب الوظائف الصغيرة

بقلم / محمد عزوز
“التسلط” هو اشتقاق من الجذر العربي “س ل ط”، الذي يرتبط بمعاني القوة والسيطرة، ويعود أيضًا لكلمة “سلطان” التي تحمل دلالات الملك والقوة والنفوذ. وقد استُخدم هذا الجذر في اللغة ليعبر عن أشكال مختلفة من ممارسة القوة، بدءًا من السلطة الفعلية إلى السلطة الوهمية أو المتخيلة.
في اللغة العربية، يعبر “التسلط” عن فرض السيطرة على الآخرين بطريقة غير عادلة أو متعسفة. ويمكن أن يشمل معاني متعددة مثل الضغط وفرض الرأي. ويُقال عن الشخص الذي يمارس التسلط إنه “متسلط”، أي أنه يتجاوز الحدود المقبولة للسلطة، ويضع نفسه في مكان أكبر من حجمه الحقيقي.
وفي لغتنا العامية الدارجة، يقال “سلّط فلان فلانًا” أي جعله يقع في الخطأ بعلم أو بخداع،
بستخدم منصبه فى الأضرار بالآخرين. ويكون هنا “المُسلّط” و”المُخبوص” شخصين سيئي الطباع غير مقبولين في المجتمع.
كثيرًا ما نصادف في حياتنا أشخاصًا يشغلون وظائف صغيرة أو محدودة المسؤوليات، لكنهم يستغلون سلطتهم البسيطة لإظهار قوة وهمية وفرض سيطرة غير ضرورية على الآخرين. هؤلاء الأشخاص يمارسون “التسلط” في أبسط أشكاله، وهو سلوك يسبب انزعاجًا وربما ضيقًا لمن حولهم.
إن كل موظف عام، مهما كانت وظيفته، وتحت يده مصالح الناس، يمكن أن يؤذيهم إذا شعر بأنه بمنأى عن المساءلة بسبب خبرته في العمل؛ فيتعمد إلحاق الضرر المادي أو المعنوي بهم، أو يعطل مصالحهم ولا يُنهيها إلا بمقابل. يظن في نفسه أنه سيد المكان، وينسى أن الله مُطلع عليه، وأن الأذى سيُرد إليه لا محالة، سواء في أهله أو في صحته أو أمواله في الدنيا، أما في الآخرة، فله عذاب أليم.
أما الأمر الأخطر، فهو عندما يستخدم هذا الشخص منصبه لينتقم لآخرين من باب المجاملة، فيظلم الآخرين بغير وجه حق، فيكون قد أخطأ مرتين؛ الأولى بتسببه في الضرر، والثانية بمقابل لا ينفعه. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على ضعف أخلاقه واستخفافه بمسؤوليته تجاه الناس.
إن الموظف العمومي الذي يسعى لاستغلال منصبه لتحقيق مصالح شخصية أو للانتقام من الآخرين بذرائع تفتقر إلى العدالة، لا يضر الآخرين فحسب، بل يعرض نفسه لعواقب قد تكون كارثية. فقد يظن لوهلة أن قوته مستمدة من كرسيه أو سلطته، وأن بوسعه إملاء الأوامر على الناس دون مساءلة، متغافلًا عن أن تلك القوة مؤقتة، وأن الظلم لا يطول، فالله عادل في حكمه ويرد لكل ذي حق حقه عاجلًا أو آجلًا.
وبجانب الضرر الذي يلحقه بالناس، فإن هذا الشخص يخلق لنفسه عداوات لا تنتهي، ويصبح محاطًا بسلسلة من الأحقاد والدعوات التي قد تطارده، فالظلم يبقى في ذاكرة المظلومين كجروح لا تندمل. وعلى الرغم من اعتقاده الخاطئ بأنه فوق المحاسبة، فإن عواقب أفعاله قد تظهر عليه في صحته أو أسرته أو ماله، ليذكره الله أنه ليس بمعزل عن العقاب، في الدنيا قبل الآخرة.
نرى هذا في بعض الجهات الحكومية، عندما يلجأ موظف لتعطيل طلب أحد المواطنين لأسباب تافهة، أو بإيعاز من شخص آخر يريد معاقبة هذا المواطن لموقف شخصي. يتعمد الموظف تأخير الأوراق أو رفض الطلبات دون سبب حقيقي، ما يضر بمصالح الناس ويعيق مصالح المجتمع ككل، معتقدًا أن منصبه يحميه من العواقب.
كذلك، نجد أمثلة أخرى حين يستغل بعض المسؤولين مناصبهم للتغطية على أخطاء معارفهم أو أقاربهم. فقد يتدخل أحدهم لتعطيل تحقيق قانوني أو تبرير فعل مخالف، بدافع المجاملة أو المحاباة، فيسيء بذلك استخدام سلطته، ويظلم الآخرين بغير وجه حق، مفسدًا المنظومة التي من المفترض أن تحمي العدل والمساواة.
وفي الختام
إن أمثال هؤلاء الموظفين يسيئون إلى سمعة الدولة ويشككون المواطنين في نزاهتها، ويصورون للعامة أن هذه ثقافة دولة، وهو غير صحيح. وتعمل الدولة جاهدة على إنشاء العديد من الجهات المختصة للتحقيق في مثل هذه الأفعال، مثل الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية وشكاوى مجلس الوزراء وأرقام مختصرة للإبلاغ، للحد من هذه الظاهرة بكل السبل.
ونحن الآن في دولة قانون، ولا مجال لمثل هذه الألاعيب، فقد مضى هذا العهد، وفتحت الدولة عدة طرق لتقديم الشكاوى ضد أي موظف أو مسؤول يستغل وظيفته في إيذاء الآخرين أو إلحاق الضرر بهم. وفي الغالب تتم المحاسبة إذا عرف الشخص المظلوم الطريق الصحيح لإرجاع حقه، ونرى وزراء يُسجنون، فقد تمت محاكمة رئيسين وآلاف من كبار الموظفين وصغارهم، وتم إرجاع الحقوق لأصحابها بالقانون.
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى