
العوضي بين الطب… الدين والفلسفة
كتب: هيثم ايوب
مجرد رأي
يعد الجدل الذي أثير في حق الدكتور العوضي، الذي انتقل إلى رحمة مولاه، بين مؤيدٍ يقر بصحة نظريته، ومعارضٍ ينتقد هذه النظرية، ظاهرة طبيعية في الأوساط الفكرية والعلمية. ورغم كل ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فرحمه الله له ما له وعليه ما عليه.
الشق النظري
ما من نظريةٍ على وجه الأرض إلا ولها انتقادات، ولا يوجد نظام علاجي إلا وله أعراض جانبية. وسواء كانت هذه النظريات فلسفية، أو اجتماعية، أو حتى صحية؛ فهي تخضع للملاحظة، التجربة، والاستنتاج.
ويترتب على ذلك أن نظرية الدكتور العوضي رحمه الله في التغذية، تُعد برنامجاً صحياً غذائياً يمكن للكثير من الحالات التداوي به، ولكن الدواء الذي يستجيب معه شخص من الممكن أن يفشل مع آخر. والأنظمة الغذائية كالأدوية العلاجية، يمكن أن تؤثر على حالة وتفقد تأثيرها على أخرى؛ لذلك نجاح النظرية من عدمه نسبي وليس مطلقاً.
فإذا كانت هناك حالات قد أشادت بالتداوي عن طريق هذا البرنامج، وأخرى لم تستجب، فهذا هو حال جميع البرامج العلاجية سواء كانت دوائية أو كيماوية أو حتى الإبر الصينية؛ فلا يوجد حكم مطلق على نظام أو برنامج غير أنه يصلح أو لا يصلح، ومن يقرر هذه الصلاحية هي هيئة الغذاء
والدواء.
الشقه الفلسفي
“وهنا ننتقل من تساؤلات العلم إلى فلسفة المعرفة؛ فالمشكلة لا تكمن في طرح اجتهاد صحي جديد، بل في محاولة تحريم الغذاء ومنحه صبغة قدسية تتجاوز حدود التجربة البشرية لتلامس حدود التشريع الإلهي. إن محاولة حصر (الطيبات) في قائمة ضيقة وتحويل المباحات إلى (محرمات) بذرائع طبية، ليس مجرد نظام غذائي، بل هو خروج عن المنطق الفلسفي الذي يميز بين (المشورة الطبية) و(الحكم الشرعي)، وهو ما يفتح الباب أمام لغط كبير يتطلب منا العودة إلى الأصول المنصوص عليها في عقيدتنا.”
الشق الديني
أما عن ربط النظرية بآيات القرآن وبعض الآراء الغريبة والتي هي محل نقد وخلاف -وإن كنت غير متابع للدكتور العوضي- ولكن إثارة الجدل حول تحريم معظم الأغذية وانتسابها للقرآن والسنة هو أمر يستحق النقاش. فالله عز وجل حصر جميع المحرمات في آياته، والحكمة منها تظهر في:
القاعدة العامة (الطيبات والخبائث):
• قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51].
المحرمات المنصوص عليها:
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173].
• قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
فما ورد بهذه الآيات لا يحرم ولا يمنع غير ما ذُكر، ولا يوجد ذكر بتصنيف ما اعتاد عليه الناس على مدار عقود وقرون من “الخبائث”.
ما ورد في السنة النبوية
قال رسول الله ﷺ: “مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنِ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ” (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).
وما ذكر الحديث أمراً لتحريم غير ما ورد بالقرآن الكريم، وإن كان هناك تحذيرات من بعض الأنواع فليس من باب النهي أو التحريم بل من باب عدم الإسراف.
وإن كانت الأقوال المشهورة مثل مقولة: “المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعوّد كل جسم ما اعتاد” تُنسب في الغالب للحارث بن كلدة (طبيب العرب في الجاهلية)، وليست حديثاً شريفاً، وإن كان معناها يتفق مع الفطرة ودعمها حديث نبينا الكريم، إلا أنها لم تكن لتحريم غذاء بل كانت للتنبيه والتحذير من الإفراط وسوء الاستخدام.
ختاماً، إن السعي نحو حياة صحية أفضل هو مطلب شرعي وعقلي، ولكن يجب أن يظل في إطاره الصحيح كاجتهاد بشري يقبل الصواب والخطأ، بعيداً عن صبغه بقدسية دينية لم ينزل الله بها من سلطان. فالدين جاء لييسر حياة الناس ويحل لهم الطيبات، والطب جاء ليعالج العلة دون تضييق المباحات. رحم الله الدكتور العوضي، ويبقى ميزان العلم والدين هو المرجع الأسمى في التمييز بين الحقيقة والادعاء.





