أدب

الأسطورة في روايات منى عبداللطيف

الأسطورة في روايات منى عبد اللطيف، إشراقة نقدية في رواية أسطورة الأساطير

الناقد: د عادل يوسف

 

لما علمت أن الكاتبة منى عبد اللطيف لها العديد من الأعمال الروائية والقصصية المتنوعة أدركت أنها من الأصوات المتميزة في عالم الرواية المصرية، وأن أسلوبها القصصي يحمل سمات روائية متفردة، كأنها ولدت حقا لتحلق في سماء الرواية، وذلك أن رواياتها قد استوعبت مكونات الإبداع الروائية الجوهرية من شخصيات، وسرد، ولغة، وزمان، ومكان.

مقالات ذات صلة

فاهتمت الكاتبة برسم شخصياتها الروائية من خلال التفاصيل الدقيقة مما ساهم في الكشف عن ملامح الشخصية النفسية والاجتماعية والجسمية.

وكذلك نوعت الكاتبة في تقنيات السرد، واستخدام اللغة الجمالية.

وأحسست أن وراء هذه المكونات الفنية كاتبة تسعى جاهدة إلى تطوير أدواتها وآلياتها تطويرا كبيرا؛ لأن الرواية من الفنون الأدبية التي تمتلك القدرة على التطوير ومواكبة العصر.

والملاحظ في أعمال الكاتبة منى عبد اللطيف يجد أنها استخدمت الأسطورة في عدة روايات منها: أسطورة الأساطير، والعنقاء، والدينونة.

والمتأمل في رواية أسطورة الأساطير يشعر أنها رواية مثيرة للجدل ومحيرة للقارئ، لأن أحداثها تنطلق من ماض سحيق موغل في القدم يبدأ من قبل خلق آدم، وإبليس، وعوالم الجن، والانتقام، والمسخ، والصراع بين أبناء إبليس (جلجان، وباطش) وتجعلنا نتخيل هذه الشخصيات ونناقشهم ونتحاور معهم لنتعرف على عوالمهم الفكرية.

وتستمد رواية الأسطورة أهميتها الفنية من خلال قدرتها على التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية والفلسفية والفكرية والأخلاقية التي يمر بها عالمنا المعاصر بطريقة مشوقة ممتعة للقارئ.

ونأتي إلى نقد بناء الرواية الفني.

1- العنوان: (أسطورة الأساطير) يشير هذا العنوان إلى أن الرواية سوف تضم أحداثا أسطورية خارقة للعادة وأعاجيب لا يصدقها عقل، وقد جاء العنوان معبرا عن الأحداث الخارقة التي اشتملت عليها الرواية.

2- الزمن: جاء الزمن موغلا في القدم  من العصور السحيقة من قبل خلق آدم مرورا بخلق الجن وإبليس وذريته حتى العصر المعاصر.

3- المكان: مكان أسطوري غير محدد بمنطقة معينة، فيشمل عالم السماء  وعالم الأرض الدنيا والعليا، وممالك سابقة وجدت ثم اندثرت .

4- الشخصيات: اعتمدت الكاتبة على شخصيات خيالية  من عالم الجن وعالم الإنس مثل شخصية  جلجان، وباطش، وليليث، وقد رسمت الكاتبة ملامح شخصياتها بمنتهى البراعة والجمال والدقة والصدق.

ا-جلجان: ابن إبليس ذو وجه أسود، قبيح المنظر، ورغم بشاعة منظره إلا أنه أقرب  إلى الملاك، كأنما أرادت أن تقول أن الجمال الإنساني ليس بالمظهر الخارجي، بل الجمال الحقيقي من الداخل وبالأخلاق الإنسانية .

ب-باطش: رسمت الكاتبة شخصية (باطش) بمنتهى البراعة فجعلت تكوينه من ثلاث أشياء متنازعة هي: التراب البشري ونار الجن، ونور الملائكة، وباطش أول من صنع من البشر شيطانا أخبث من شيطان الجن، وهو رمز الشر وكان في صراع دائم مع أخيه جلجان، وقد جاء الاسم معبرا عن دوره في الأحداث فهو لديه جبروت وقوة غاشمة لدرجة أنه تسبب في قتل ابن أخيه وزوجته.

ج-ليليث: زوجة ابليس وهي ابنة الحية التي أغوت آدم وحواء للأكل من الشجرة المحرمة.

د-الدمسيسة: أخت جلجان وباطش، وهي أخبث نساء الجان، وأشد أعداء الإنسان، عبارة عن حية ملساء بثلاثة رءوس وذيل طويل ومخلب، وقد جاءت رمزا للشر الذي لا ينتهي في الرواية

ه-كائنات أسطورية: حفلت الرواية ببعض الكائنات الأسطورية التي كان لها دور عظيم في الرواية  غير حقيقية منها.

الحوت روميس: شكل الحوت روميس ركنا مهما من أركان العالم الأسطوري وعزز فكرة اختراق قيود العالم المعيش، وكان رمزا للعديد من القضايا المعاصرة مثل قضية استخدام العنف والبطش ضد الشعوب الضعيفة.

5-السرد: أجمل ما يلفت نظر القارئ في رواية (أسطورة أساطير) هو الانسياب والتدفق في السرد والوصف والحوار.

يبدأ القارئ بقراءة الفصل الواحد فلا يستطيع تركه؛ لما فيه من إثارة وتشويق ودهشة ومفاجآت.

وقد جاء السرد على لسان الراوي العليم الذي يهيمن على عالم الرواية، ولكن أحيانا يتدخل الرواي العليم بالتعليق والوصف الخارجي، وجاء السرد موضوعيا في بعض الأحيان؛ وذلك لاعتماد الكاتبة على بعض المصادر العلمية وقد ذكرت هذه المصادر في نهاية الرواية.

وقد استخدمت الكاتبة عدة تقنيات سردية في غاية الروعة والجمال منها:

أ-تقنية الاستباق: هو ذكر أحداث لم يحن وقت حدوثها الآن، وذلك لجذب انتباه القارئ؛ ليرى كيف ستحقق هذه الأحداث.

ومن ذلك نبوءة العرافة التي تنبأت بأحداث خطيرة لباطش وجلجان.

وقد تحققت النبوءة بالفعل عندما قالت العرافة: “أعلم أن النهاية آتية والمكتوب سيتحقق مهما هربت منه فهو قدرك ومقدارك وله من العلامات ثلاث أولها نبت في غير محله ثانيها خروج النيران من جوف الماء وآخرها سقوط أجنحة الجارح”

وهذا جعل القارئ يترقب الأحداث بشغف لما سوف يحدث.

ب-التذكر: هو استرجاع أحداثا وشخصيات حدثت قبل زمن الحكاية، ولكنها مرتبطة بزمن الحكاية.وهناك العديد من الأحداث التي مر بها جلجان واسترجع ما حدث له من ذكريات مؤلمة مثل: استرجاع ذكرياته مع زوجته التي توفيت.

ج-الإسقاط: حمل لنا السرد الكثير من الإسقاطات المعاصرة مثل استخدام القوة، والعنف ضد الشعوب الضعيفة

مثال ذلك قول الكاتبة على لسان الحوت روميس: “يا صديقي رأيت فيك فعل السوء؛ بسبب فتنة القوة والبأس التي جعلتك تقتل هؤلاء البشر والأبرياء، كيف طاوعتك روحك أن تقتل مدينة بأكملها بنسائها وأطفالها وشيخوها؟!”

د- الحوار الداخلي والخارجي: الحوار الداخلي هو حديث النفس للنفس، والحوار الخارجي هو حديث النفس مع الأخرين.

وقد استوقفني هذا الحوار الفني المتعدد الأنماط شروط الحوار الفنية؛ لأنه جاء في جمل قصيرة متتالية متتابعة تشبه إلى حد كبير الحوار المسرحي الذي يجري على خشبة المسرح، مما أبعد الرتابة والملل عن القارئ.

ومن هذه الحوارات التي ساهمت في دفع حركة الأحداث ورسمت ملامح الشخصيات بكل أبعادها:

قال جوري: ثمن هذه الحياة أن تمتص الحياة من غيرك ويمكنك أن تحيا هنا وحيدا، ولكن حياتك ستكون قصيرة لو قبلت هذا الاتفاق… (إلى نهاية المقطع)

قال أشمسيوس: والمقابل؟

قال جوري: قلبك، الذي انفجر سآكله أنا فغذائي هو قلوب البشر، أرأيت إنني صديقك وعندي مبتغاك؟ سآخذ منك ثمنا زهيدا، سأرضى بتناول قلبا معيبا، وسأهبك في المقابل حياة وقوة ألوهية وجاه…

ضحك أشمسيوس وفهم أن ما هو فيه كان مخططا له من قبل جوري منذ البداية.

ومن حق القارئ أن يتأمل ويستمتع بهذا الحوار الذي اختفى فيه المؤلف خلف الشخصيات، وتركها تعبر عن أفكارها ورؤيتها للحياة بنفسها وبطريقة تلقائية مع انتقاء الألفاظ الموحية.

حتى جاءت ليلة ضاقت المعلمة بها ذرعاً فبرغم من ابتعاد جلنار ووحدتها إلا أن وجودها وحده في الدنيا كان كفيل بمضايقة تلك المعلمة الحرباء زوجة أبيها، فوجدها الأب توقظه ليلاً من مضجعه وتبكي بحرقة قائلة: لقد أهانتني ابنتك.

والرجل لا يدري ما يفعل لتهدئتها فضمها لصدره وسألها بمرارة ووحشة كان يشعر بها تجاه ابنته ولكنه لا يجرؤ على مخالفة ناموس زوجته:

  • هل التقيتي بها؟
  • قالت : لا.
  • فرد: إذن كيف أهانتك ؟! فهي لا تتحدث مع أي شخص بالقرية، الجميع ينعتها بالجنون ويبتعدون عنها خشية منك.
  • فقالت من بين دموع التماسيح: إذن أنا المجرمة المخطئة في حقها.
  • فرد: لا. أنا لم أقل هذا، لكني أريد أن أفهم.
  • فقالت الزوجة: بسببها تمردت بعض البنات …

6– اللغة: لعبت اللغة دورا بارزا في رواية اسطورة الاساطير فباللغة تنطق الشخصيات وتتكشف الأحداث وتتضح البيئة  وقد استخدمت الكاتبة اللغة الفصحى التى تكاد تقترب من لغة الشعر لتكشف لنا مكنون الشخصية وما يدور بداخلها ومن ذلك قول الكاتبة:

قال جوري: ثمن هذه الحياة أن تمتص الحياة من غيرك ويمكنك أن تحيا هنا وحيدا، ولكن حياتك ستكون قصيرة لو قبلت هذا الاتفاق… (إلى نهاية المقطع)

قال أشمسيوس: والمقابل؟

قال جوري: قلبك، الذي انفجر سآكله أنا فغذائي هو قلوب البشر، أرأيت إنني صديقك وعندي مبتغاك؟ سآخذ منك ثمنا زهيدا، سأرضى بتناول قلبا معيبا، وسأهبك في المقابل حياة وقوة ألوهية وجاه…

7-الحدث: جاءت رواية أسطورة الأساطير حافلة بالعديد من الأحداث الأسطورية الكثيرة، والتي استفادت منها الكاتبة في بناء الرواية مثل: الصراع بين الخير والشر، والصراع الإنسان مع القدر، والصراع مع الكائنات الأسطورية، وقتل الأخ لابن أخيه وزوجة أخيه، وتفضيل الأب لأحد أبنائه على الأخر، والمسخ، والانتقام، والرحلة إلى عوالم أسطورية خارقة وغير ذلك من الأحداث المثيرة في الرواية.

8-الصراع: جاء الصراع بين الخير والشر، وهو من أشد الصراعات حيوية خصوصا عندما يكون بين أخوين من أب واحد وهما جلجان رمز الخير، وباطش أخيه وأمه وأبيه وأخته رموز الشر. هل يستطيع جلجان رمز الخير أن يقف وحده في وجه أبيه (إبليس) وأخوه باطش وأخته الدمسيسة وممالك الجان؟

هذا ما سوف نراه من خلال قراءة الرواية.

النهاية: جاءت النهاية مفاجئة للقارئ وغير متوقعة؛ حيث انتقلت بنا الكاتبة من زمن سحيق موغل في القدم إلى زمن معاصر 2020 في سلاسة دون أن يشعر القارئ بهذه القفزة الزمنية الكبيرة، وذلك من خلال شخصية أشمسيوس الذي ربط لنا الزمن القديم بالزمن المعاصر.

وأخيرا: لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر والامتنان للكاتبة منى عبد اللطيف التي أجهدت نفسها وفكرها؛ لكي تقدم لنا هذه الرواية الرائعة التي أمتعتنا بسعة خيالها وغذت عقولنا بأفكارها وثقافتها المتنوعة ولغتها الأدبية الموحية التي تقترب من الشعر.

 

 

 

 

 الأسطورة في روايات منى عبد اللطيف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى