بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد أرسل الله سبحانه وتعالى حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين،
فعمّت رحمته صلى الله عليه وسلم جميع المخلوقات من إنس وجان، وحجر وشجر وجمادات،
والمسلمين وغير المسلمين، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجّه الجيش
لمقاتلة الظالمين المعتدين أمر أصحابه بألا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، ولا يقطعوا شجرا،
ولا يُخربوا عامرا، ولا يعقروا شاة ولا بعيرا إلا لمأكله، كما أمرهم صلى الله عليه وسلم
أن يدعوا الرهبان وشأنهم في صوامعهم، وإن الله عز وجل يحفظ أولياءه، فهم يؤذون،
ويضطهدون، ويحبسون، ويقدمون رؤوسهم رخيصة لله، ولكن ينتصرون، لأن العاقبة للمتقين،
فيقول تعالي في سورة غافر “إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا
ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار”
والنتيجة الحتمية، أنهم هم المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل ومهما علا، ومهما كبر،
فإنه كما قال سبحانه في سورة الرعد ” فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس
فيمكث في الأرض” فإن الباطل له صولة، والحق له دولة، والعاقبة للمتقين،
وإن عالم التضحيات والبذل، تحقق في سيرته عليه الصلاة والسلام، لكن ما فعلت أنا،
وماذا فعل أنت لهذا الدين؟ ماذا قدمنا؟ ورسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، شغله الشاغل،
أنفاسه، خواطره، أفكاره، أمواله، أهله، روحه، لله، يقول في أحد مواقفه “
والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل،
ثم أغزو فأقتل” فقد هاجر من مكة مطرودا، وأغلقت مكة أبوابها في وجهه،
ووقف في حمراء الأسد، يخاطب مكة.
فبينه وبين مكة كلام رقيق مشوق، فيقول لمكة “والذي نفسي بيده إنك من أحب بلاد الله إلى قلبي،
ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت” ثم تدمع عيناه ويذهب، بناته أمامه، يضربن،
فلا يستطيع أن يدفع عنهن الظلم، يوضع السلا على رأسه وهو ساجد فلا يتحرك،
وهم يضحكون، ثم تأتي السيدة فاطمة رضي الله عنها فتلقي السلا عن ظهره،
فلما قضى رسول الله صلي الله عليه وسلم الصلاة، قال “اللهم عليك بقريش،
اللهم عليك بقريش، اللهم عليكم بقريش، اللهم عليك بعمرو بن هشام،
وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط،
وعمارة بن الوليد” قال عبد الله فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله.
فإنأعمامه يكذبونه أمام الناس، ويحثى التراب عليه، ويطارد بعيدا بعيدا، يشج رأسه،
ويدمى أصبعه، وتكسر رباعيته، فيصبر ويحتسب، ويريدون إغلاق صوته، فيزداد الصوت،
أقوى، وأعظم، وأعمق، وأأصل، فيصل إلى المدينة فإذا الدنيا تتحدث عنه،
ولقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم متواضعا في كل حال، متواضعا مع أهله، متواضعا مع خدمه،
متواضعا مع أصحابه ومع الناس أجمعين، أما تواضعه مع أهله،
فلقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها ماذا يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟
فقالت كما يصنع أحدكم في بيته، يخصف نعله، ويحلب شاته، ويخدم نفسه،
ويكون في مهنة أهله، وأما تواضعه مع خدمه، فإن أنس بن مالك رضي الله عنه
يقول خدمت النبي صلى الله عليه وسلم نحو عشر سنين.
فما قال لشيء فعلته لِما فعلته؟ وما قال لشيء تركته، لِما تركته؟
وأعجب من ذلك ما يَرويه أنس بن مالك رضي الله من سُمو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تواضعه
يقول خدمت النبي صلى الله عليه وسلم نحو عشر سنين، فما صحبته في حضر ولا في سفر لأخدمه،
إلا وكانت خدمته لي أكثر من خدمتي له.



