أدب

رؤيا يوسف وموقف أبيه منها

قراءة تأملية في سورة يوسف: (4) رؤيا يوسف وموقف أبيه منها
رؤيا يوسف وموقف أبيه منها
سجل القرآن رؤيا يوسف في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، ولا يتضح من هذا الخطاب أنها رؤيا منامية؛ لأن الفعل (رأى) له ثلاثة مصادر بثلاث دلالات: رأى رأيــا وهي الرؤية العلمية، ورأى رؤية وهي الرؤية البصرية، ورأى رؤيا وهي الرؤيا المنامية، فمن أين عرفنا أن رؤيا يوسف منامية؟ عرفنا ذلك من قول يعقوب: {يا بني لا تقصص رؤياك}، لكن كيف فهم يعقوب أنها رؤيا منامية؟ قهم ذلك من استحالة رؤية الشمس والقمر والنجوم مجتمعة معا في الليل أو النهار، فضلا عن استحالة سجودها حقيقة لبشر.
رأى يوسف أحد عشر كوكبا إشارة إلى إخوته الذين سجدوا له، فهم أحد عشر رجلا، وتكرار الفعل (رأيت) مرتين ليس للتوكيد، وإنما للإشارة إلى أن يوسف رأى الكواكب والشمس والقمر مرتين، رآها أولا في مواضعها ثم رأها وهي ساجدة له، ولم يرها ساجدة من البداية، وإلا احتمل أن السجود كان لغيره، والتعبير بـــ(ساجدين) يدل على أن الجماد إذا أخذ صفة من صفات العقلاء (السجود) عومل معاملتهم، لكن ما رآه يوسف كواكب أم نجوم؟ لم يفرق القرآن بين الكوكب والنجم في خطابه للعرب، ففي ثقافتهم كل ما يظهر في السماء هو نجم، فإذا كان مضيئا لامعا فهو كوكب؛ ولذلك قال تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}.
نهى يعقوب يوسف أن يحكي لإخوته {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك}، والنهي يدل على أن يوسف لا يعرف تفسير الرؤيا، وأن أباه وإخوته يعرفون ذلك، والنهي جاء خشية الحسد؛ ومن ثم يُستحَبّ الكتمان في قضاء المصالح، ففي الحديث المختلَف فيه “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فكل ذي نعمة محسود”، وما يراه الانسان في منامه ثلاثة أنواع: رؤيا حسنة فيها خير وهي من الله، وحُلم مزعج مخيف وهو من الشيطان، وحديث النفس وهو انعكاس لما يفكر فيه الانسان قبل نومه.
علل يعقوب نهيه بقوله: {فيكيدوا لك كيدا}، الكيد تدبير سوء، كقول إبراهيم: {تاللهِ لأكيدنَّ أصنامَكم}، لكن إذا اتصل الفعل باللام تغيّر المعنى، فصارت عاقبة التدبير طيبة بقصد أو بدون قصد، فإخوة يوسف كادوا له، والعاقبة كانت طيبة بدون قصد منهم، إذ رموه في الجب ليهلك، فدخل قصر العزيز، ويوسف كاد لشقيقه لما دبر له تهمة السرقة، وكانت العاقبة أن أخذه معه في قصر العزيز بقصد منه، وكل ذلك بتدبير الله؛ حيث قال تعالى: {كذلك كدنا ليوسف}، أي جعلنا كل تدبير لصالحه.
ثم أكد يعقوب ليوسف أن الشيطان هو الذي يبثّ الكراهية بينه وبين إخوته، وقد سيطر على عليهم، ولم يسيطر على يوسف، لماذا؟ لأن الشيطان قال لربه: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، ويوسف منهم؛ حيث قال الله عنه: {إنه من عبادنا المخلَصين}.
ثم بشّر يعقوب يوسف بثلاث بشريات: اصطفاء الله له {وكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}، وتفسير الرؤيا {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}، والنبــوة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}؛ لأن إبراهيم وإسحق نبيان، ويؤخذ من كلمة (أبويك) أن الجد أب وإن علا وبعُد زمنيا ..
ب/صالح الصادق 

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى