
الدكروري يكتب عن ووهبنا له أهله ومثلهم معهم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد قال الحسن وقتادة، في قول الحق سبحانه وتعالي “ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب” أي أحياهم الله تعالى له بأعيانهم، وزادهم مثلهم معهم، وقال أبو حيان والجمهور، على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شُتت منهم، وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى “وآتيناه أهله ومثلهم معهم” فقال صلى الله عليه وسلم “ردّ الله تعالى امرأته إليه، وزاد في شبابها، حتى ولدت له ستا وعشرين ذكرا ” وقوله سبحانه ” رحمة منا” أي رحمة به على صبره، وثباته، وإنابته، وتواضعه، واستكانته “وذكرى لأولي الألباب” أي عبرة لذوي العقول، ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة.
وفي سورة الأنبياء يقول الله تعالى ” رحمة من عندنا وذكرى للعابدين” أي أجبنا دعاءه، وفعلنا معه ما فعلنا من ألوان الخيرات، من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه معه عبرة وعظة وذكرى لغيره من العابدين، حتى يقتدوا به في صبره على البلاء، وفي المداومة على شكرنا في السراء والضراء، وقوله تعالى “وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث” فقد ذكروا أن نبى الله أيوب عليه السلام كان قد غضب على زوجته، ونقم عليها في أمر فعلته، قيل إنها باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة وقيل لغير ذلك من الأسباب، فلما شفاه الله وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب.
فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثا، أي حزمة أغصان كثيرة فيه مائة قضيب، فيضربها بها ضربة واحدة، وقد برت يمينه، وخرج من حنثه، ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه، ولهذا قال تعالى ” إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب” وقد أثنى الله تعالى عليه ومدحه بقوله ” إنه أواب ” أي رجّاع منيب للحق، وقد ذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى” وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر” قصصا وأقوالا لا يصح التعويل عليها، ولا الالتفات إليها، فقد ذكروا أن أيوب مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من جسده، وأن لحمه قد تمزق وكل هذا ونحوه لا يؤبه به لأن الله تعالى عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة، التي تؤدي إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية.
أم عصبية، أم نفسية والذي يجب اعتقاده أن الله تعالى قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافي مع صفات النبوة، وقد صبر أيوب عليه السلام على ما ابتلاه الله به، حتى ضُرب به المثل في الصبر، فكانت عاقبة صبره، أن عافه الله من مرضه، ورفع عنه ما نزل به من البلاء والضر، وأعطاه من سابع نعمه، وذكروا أيضا عند قوله سبحانه ” وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ” روايات حول من وقع عليه الضرب، وسبب الضرب، والأقرب إلى الصواب أن أيوب أرسل امرأته في حاجة له، فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ليضربنها مائة ضربة، وبعد شفائه، رخص له سبحانه، أن يأخذ حزمة صغيرة بها مائة عود، ثم يضربها بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمنه، وبين الرحمة بزوجته التي أحسنت إليه أيام مرضه.





