أدب

يوسف في قصـر العزيز.

قراءة تأملية في سورة يوسف (12) : يوسف في قصـر العزيز.
صالح الصادق سلطان

لما وصل يوسف إلى الباب وهي تمسك بقميصه فوجئا بالعزيز قادما، فأسرعت امرأته بتبرئة نفسها واتهام يوسف ومحاكمته وتحديد العقوبة!! {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وفي ذلك ظلم منها ليوسف، فلا يجوز شرعا ولا قانونا ولا عُــرفا أن يكون المرء خصما وحَكَما، فلماذا صنعت ذلك؟ صنعت ذلك حُـــبًّا في يوسف، إذ خافت عليه من عقوبة الإعدام؛ لأن ادعاءها يحمل إساءة بالغة من فتى لسيده، حتى لو كان محبوبا للعزيز، وحُكمها يشير إلى أنها امرأة قوية أو مدلّلة أو من العائلة المالكة أو لها سلطة على العزيز؛ لأنها تجرأت بالكلام أمامه بهذا الشكل مع أن القِيَم الحاكمة للقصر الملكي تمنع ذلك، لكن العزيز كان حكيما عادلا؛ إذ سمح ليوسف بالدفاع عن نفسه، وأنصت له، وهذه عدالة ناجزة! فبّرأ يوسف نفسه، {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}، أي طلبتني لنفسها، وتأكد العزيز من صدق يوسف بشهادة الشاهد {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا}، فمن الشاهد؟ قيل: هو صبي رضيع كان في بيت العزيز أنطقه الله، والأرجح أنه رجل من أهل زليخا كان قادما مع العزيز إلى القصر، وقد شهد شهادة حق، فقال: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُـــدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، فقَبِلَ العزيز هذه الشهادة، فبرّأ يوسف وكذّب امرأته، متِّهما إياها بتدبير الحِيَل ضد يوسف، قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُــدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}.
وهنا تساؤل: هل كيد المرأة أعظم من كيد إبليس الذي وصفه الله بالضعف في قوله تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}؟ بالتأكيد لا، ولكن الأمر يحتاج أن نتأمل السياق الذي ورد فيه الخطابان، فكيد النساء ورد على لسان العزيز وصفا لامرأته في اتهامها يوسف ظلما، لكن كيد الشيطان ورد في سياق الحديث عن قتال المؤمنين وقتال المشركين في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، أي كيد الشيطان ضعيف بالنسبة لكيد الله، ولكنه أقوى من كيد النساء بالتأكيد حتى لا نظلم النساء.
بعد أن اقتنع العزيز ببراءة يوسف أمره أن يكتم الخبر، فقال له: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا}، ثم أمر زوجته بالاستغفار، {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}، لكن هل قوله: {واستغفري لذنبك} يدل على إيمان العزيز بالله؟ احتمال بعيد، والأقرب أن الاستغفار هنا بمعنى الاعتذار، أي اعتذري عن ذنبك لي، ولذلك قيل: هذا الكلام وقع من الشاهد، وقصد به أن تسأل زوجها أن يصفح عنها، والخاطئون المذنبون، ولم يقل: “الخاطئات”؛ لأنه لم يقصد به الإخبار عن النساء، بل قصد به الإخبار عمّن يفعل ذلك من الناس عامة، كقوله تعالى: {وكانت من القانتين} رجالا ونساءً.
ومما يستفاد من الواقعة التحذير من اختلاط الرجال بالنساء، فقد يؤدى إلى الوقوع في الخطأ؛ لأن ميل الرجل إلى المرأة وميل المرأة إلى الرجل أمر طبيعي، ووجود يوسف مع امرأة العزيز تحت سقف واحد في سنّ كانت هي مكتملة الأنوثة وكان هو فتًى جميلا، فأدى إلى افتتانها به؛ لذا حرّم الإسلام الخلوة بالأجنبية، سدّا لباب الوقوع في الفتن، ومنعا لوقوع الرذائل، ففي الحديث “إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: أفرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: الحمو الموت”، والحمو أخو الزوج كأخيه، ومع حرص العزيز على التكتّم حفاظا على هيبة القصر شاع الخبر خارج أسوار القصر، فمن الذي نقله؟ ومن الذي تكلّم؟ للحديث بقية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى