أخبارأخبار الأسبوعاخصائي نفسيمجلة الأديب العربي

فن السيطرة علي الفوضي

فن السيطرة علي الفوضى

بقلم .مروة فؤاد

مقالات ذات صلة

نحن سنخوض فكرآ مختلفا في الثبات الانفعالي بين قوانين ميرفي وميكافيللي

 

 

 

فن السيطرة على الفوضى: الثبات الانفعالي بين “قانون مورفي” و”الأمير” لميكافيللي

 

في عالم يتسم بالتقلب والضجيج، لم تعد المعرفة أو الذكاء وحدهما هما المحدد لنجاح الإنسان أو فشله، بل أصبحت “القدرة على البقاء هادئاً وسط العاصفة” هي المهارة الأعلى قيمة. الثبات الانفعالي ليس مجرد سمة شخصية، بل هو “نظام تشغيل” العقل الذي يحدد جودة القرارات التي نتخذها.

 

لفهم عمق هذا التأثير، يجب أن ننظر إلى القرار البشري من خلال عدستين متناقضتين ظاهرياً ولكنهما متكاملتين: **تشاؤم “قوانين ميرفي”و**واقعية “الأمير” لميكافيللي**.

 

أولاً: الثبات الانفعالي كحارس للبوابات العقلية

قبل الدخول في الفلسفة، يجب أن نفهم بيولوجياً ما يحدث. عندما يفقد الإنسان ثباته الانفعالي (بسبب غضب، خوف، أو فرح مفرط)، يختطف ما يسمى بـ “اللوزة الدماغية” زمام الأمر من “قشرة الفص الجبهي” المسؤولة عن التحليل والمنطق.

القرار المتخذ في حالة عدم الاتزان ليس قراراً، بل هو “رد فعل” والثبات الانفعالي هو القدرة على خلق “فجوة زمنية” بين المؤثر والاستجابة، تسمح للعقل بتحليل المعطيات بدلاً من الانصياع للضوضاء العاطفية.

 

 

ثانياً: قانون مورفي.. والثبات الانفعالي كـ “التشاؤم الاستراتيجي”

يقول قانون ميرفي الشهير: *”أي شيء يمكن أن يخطئ، سيخطئ حتماً”*.

بالنسبة للشخص ذي الثبات الانفعالي الهش، يعتبر قانون ميرفي مصدر قلق دائم وإرهاق نفسي. هو يعيش في حالة ترقب للكارثة، وعندما تقع، ينهار ويتخذ قرارات ارتجالية قائمة على الهروب أو اللوم.

 

أما بالنسبة للقائد المتماسك انفعالياً، فإن قانون ميرفي ليس نذير شؤم، بل هو **أداة للتخطيط**.

* **تأثيره على القرار:** الشخص المستقر انفعالياً يتبنى “التشاؤم الاستراتيجي”. هو لا يتفاجأ عندما تسوء الأمور، بل كان قد وضع في الحسبان “خطة بديلة”

* **النتيجة:** عندما يفشل المشروع أو تحدث الأزمة، لا يضيع المستقر انفعالياً وقته في الصدمة أو إنكار الواقع (وهو ما يفعله غير المستقر)، بل ينتقل فوراً إلى “وضع الحل”. الثبات الانفعالي هنا يعني **تقبل الفشل كمتغير احتمالي** وليس ككارثة وجودية، مما يسمح باتخاذ قرارات تصحيحية سريعة ودقيقة.

 

 

 

ثالثاً: ميكافيللي و”الأمير”.. سيادة العقل على الانفعال

في كتابه “الأمير”، لا يقدم نيكولو ميكافيللي نصائح أخلاقية فحسب، بل يقدم درساً قاسياً في **السيطرة على الذات**. يرى ميكافيللي أن الحاكم (أو صانع القرار) الذي يخضع لعواطفه (سواء كانت حباً مفرطاً، أو كراهية، أو خوفاً، أو طمعاً) هو حاكم ضعيف ومصيره السقوط.

 

يربط ميكافيللي بين مفهومين:

1. **الفورتونا ** الحظ، القدر، أو الظروف الخارجية المتقلبة (تشبه الفوضى في قوانين مورفي).

2. **الفيرتو ** المهارة، القوة، والقدرة على فرض الإرادة وترويض الحظ.

 

**كيف يرتبط هذا بالثبات الانفعالي؟**

يجادل ميكافيللي بأن الرجل الذي يبنى قراراته على العاطفة فقط سيهدم ما بناه. الأمير الناجح هو من يمتلك “برودة الدم”.

* **الأسد والثعلب:** يجب أن يكون الإنسان أسداً ليخيف الذئاب، وثعلباً ليميز الفخاخ. لا يمكنك أن تكون ثعلباً (ذكيًا وماكرًا) وأنت غاضب أو خائف. الغضب يعمي البصيرة عن الفخاخ، والخوف يمنعك عن استخدام القوة في وقتها.

* **القرار الميكافيلي:** القرار الصحيح هو الذي يخدم “الغاية” بغض النظر عن “الشعور”. الشخص غير المستقر انفعالياً قد يتخذ قراراً مدمراً لمجرد أنه أراد “الانتقام” أو “إرضاء غروره”. الثبات الانفعالي عند ميكافيللي هو **فصل الذات عن الموقف**، والنظر إلى الأمور بعيون “الواقعية الباردة” لا بعيون “التمني”.

 

 

 

رابعاً: التوليفة.. كيف نصنع قراراً حديدياً؟

عندما ندمج الدروس من مورفي وميكافيللي، نصل إلى معادلة الثبات الانفعالي في اتخاذ القرار:

 

1. **توقع الأسوأ (درس مورفي):**

لا تبنِ قراراتك على سيناريو “كل شيء مثالي”. الثبات الانفعالي يمنحك الشجاعة لمواجهة أسوأ الاحتمالات مسبقاً. عندما تتوقع الخطأ، لا يهزك وقوعه، وتبقى قادراً على التفكير.

 

2. **الواقعية المجردة (درس ميكافيللي):**

انظر إلى العالم “كما هو” لا “كما تتمنى أن يكون”. العواطف تجعلنا نرى العالم مثالياً أو كارثياً بشكل مبالغ فيه. الثبات الانفعالي يعيد ضبط الرؤية على “الواقع المجرد”. اسأل نفسك: *هل أتخذ هذا القرار لأنني أريد ذلك، أم لأن المعطيات تفرضه؟*

 

3. **إدارة الانطباع والذات:**

كما يقول ميكافيللي، يجب أن تبدو هادئاً حتى لو كنت تموج داخلياً. لكن الأهم من المظهر هو **الانضباط الداخلي**. القرار المتخذ في لحظة هدوء هو القرار الوحيد الذي يمكنك الدفاع عنه لاحقاً.

 

خاتمة

الثبات الانفعالي ليس غياباً للمشاعر، بل هو **القدرة على منع المشاعر من التوقيع على شيكات لا يستطيع العقل دفعها**.

هو الجسر الذي يعبر بك من فوضى “قوانين ميرفي” إلى حكمة “الأمير”. الشخص الذي يثبت انفعالياً هو من يحول الكوارث المحتملة (ميرفي) إلى فرص للهيمنة والتحكم (ميكافيللي). وفي نهاية المطاف، التاريخ لا يتذكر من تفاعل مع الأحداث بعاطفية، بل يتذكر من ظل هادئاً حينما فقد الجميع أعصابهم، واتخذ القرار الصحيح في الوقت الخطأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى