أدبدنيا ودين

والله الغني وانتم الفقراء

والله الغني وانتم الفقراء

فاطمة عبد العزيز محمد

والله الغني وانتم الفقراء

          ________

والله الغني وانتم الفقراء..

أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له، وإحسانه إليه، وقيامه بمصالحه وتدبيره له، فقير إليه من جهة إلهيته، وكونه معبوده وإلهه الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه، فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم، وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء، فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها، وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له، فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة، فما نجا أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله.

فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه، وبكل اعتبار، والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار، فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به البتة.

ويقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، فبين -سبحانه وتعالى- في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، أمر ملازم لهم في ذاتهم، وليس لسبب معين في ظرف معين، فذلك افتقار المخلوق للمخلوق، أما افتقار المخلوق إلى خالقه فهو فقر دائم مطلق، كما أن غناه -سبحانه وتعالى- غنى مطلق، وكما أن كونه غنيا حميدا أمر ذاتي له وليس لسبب معين في ظرف معين.

ثم ذكر من شواهد فقرهم، حاجتهم إليه لوجودهم وهو لا يحتاج إليهم في وجوده، ولو شاء لاستبدلهم: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات:56 ـ 58].

ولا يغرنكم قول: “أي شيء يريده الإنسان يحصل عليه” أو “أطلق قواك الخفية أنت تستطيع عمل كل شيء” أو “أيقظ العملاق وحطِّم المستحيل”، “أخرج المارد الذي بداخلك” أو “أنت إنسان عظيم قادر متكامل منسجم، أنت سيد حياتك، أنت صاحب قدرة مطلقة، وحكمة ليس لها حدود، وذكاء لا نهائي، وطاقات خارقة، بل إن القوة التي تُحرِّك العالم كامنة بداخلك”

فذاك هو الحرمان الحقيقي أن يكِل الله العبد لنفسه وقوته وقدرته وذكائه وفطنته ثم يتخلى عنه، ونحن لا نستطيع أن نعمل شيئًا إلا بإذنه وتوفيقه، لأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به سبحانه.

فهذه الحروف التي كتبتها لم تستطع يدي كتابتها لولا توفيقه وإعانته، ولم تستطيع أعينكم قراءتها إلا بفضله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى