أخبارأخبار الأسبوعثقافةقراءة نقديةمجلة الأديب العربي

الهروب الجماعي بين يبدو ولا يبدو

الهروب الجماعي بين يبدو ولا يبدو

بقلم مروة فؤاد

 

 

في قاموس التفاعلات اليومية في المجتمع المصري، تظل كلمتا “يبدو” و”لا يبدو” هما البوابتان السحريتان اللتان نفصل بهما بين واقعنا المعاش، وما نريد للعالم أن يراه. فعندما نسأل “إزيك؟”، تكون الإجابة الآلية “الحمد لله”، وهنا يكمن جوهر الخداع: **يبدو** أن كل شيء على ما يرام، بينما في الحقيقة **لا يبدو** أن هناك من يتحمل العبء بصمت. هذه المقالة تحاول الغوص في هذه الفجوة اللغوية والنفسية، لتفكيك ظاهرة “الهروب الجماعي” من ضغوط الحياة، والثمن النفسي الباهظ الذي ندفعه مقابل الحفاظ على القناع.

 

أولاً: وهم “يبدو”.. القناع الاجتماعي وآلية الدفاع الأولى

كلمة “يبدو” هي مملكة المظاهر. في مجتمع يقدس الصمود ويكافئ “ابن البلد” الذي لا يشكو، أصبح “يبدو أني بخير” هو الدرع الواقي الأول. نحن نعيش في عصر “السوشيال ميديا”، حيث يُعرض الجانب المُشرق من الحياة فقط: النجاحات، الضحكات، والتجمعات العائلية.

هذا “البدو” الظاهري ليس مجرد كذب أبيض، بل هو آلية دفاع نفسية جماعية . فالاعتراف بالضعف في بيئة مليئة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية يُنظر إليه أحياناً كرفاهية أو ضعف. لذا، نلجأ إلى “الهروب الجماعي” عبر السطحية: الضحك على المصائب، السخرية الذاتية

 

 

، أو الغرق في الترفيه الرقمي لساعات، كل ذلك لكي **يبدو** أننا نتحكم في زمام الأمور، بينما نحن في الحقيقة نغرق.

 

ثانياً: حقيقة “لا يبدو”.. الصمت المدوي والألم غير المرئي

أما “لا يبدو”، فهي مملكة الحقيقة الصامتة. **لا يبدو** أن هناك إرهاقاً، لكن الجسد يصرخ. **لا يبدو** أن هناك قلقاً من المستقبل، لكن نوبات الهلع تزورنا ليلاً. **لا يبدو** أن هناك عزلة، رغم أننا محاطون بالمئات في وسائل المواصلات أو على شاشات هواتفنا.

الهروب الجماعي هنا يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وخطورة:

1. **الهروب إلى الداخل (الانفصال الوجداني):** حيث ينفصل الفرد عن مشاعره لكي لا يشعر بوطأة الواقع، فيتحول إلى “روبوت” يؤدي مهامه بلا شعور حقيقي بالفرح أو الحزن.

2. **الهروب عبر الإنكار:** رفض الاعتراف بحجم المشكلة النفسية أو الاقتصادية، وتسميتها “قدر” أو “امتحان” دون محاولة فعلية للتخفيف من وطأتها.

3. **الهروب الكيميائي أو السلوكي:** من الإفراط في التدخين، الأكل، أو حتى المواد الأخرى، كمحاولة يائسة لتخدير ما “لا يبدو” أنه موجود.

ثالثاً: التأثير النفسي.. الثمن الباهظ للفجوة بين الظاهر واللا ظاهر

العيش في هذه الفجوة بين ما “يبدو” وما “لا يبدو” يولد حالة نفسية مزمرة تُعرف بـ **”التنافر المعرفي و **”الاغتراب الذاتي”**.

عندما تجبر نفسك باستمرار على أن **يبدو** عليك الخير، بينما داخلك **لا يبدو** هناك أي ضوء، فإنك ترسل رسالة لعقلك الباطن مفادها أن مشاعرك الحقيقية غير صالحة أو غير مسموح بها. هذا يؤدي إلى:

– **الإرهاق العاطفي * لأن الحفاظ على القناع يستهلك طاقة نفسية تفوق طاقة مواجهة المشكلة ذاتها.

– **تفاقم العزلة:** عندما يعتقد الجميع أنك “بخير” لأن هذا ما “يبدو”، فإنك تفقد شبكة الدعم الحقيقية، وتظن أنك الوحيد الذي يعاني، مما يعمق شعور الوحدة.

– **تفريغ الغضب المكبوت:** الضغوط التي “لا يبدو” أنها موجودة، تجد طريقها للخروج في شكل نوبات غضب مفاجئة، أو أمراض نفسيه جسدية مثل الصداع المزمن، مشاكل الهضم، أو الأرق.

رابعاً: كيف نردم هذه الفجوة؟ من “يبدو” إلى “أنا أشعر”

المخرج من هذا المأزق الجماعي لا يكمن في إسقاط القناع فجأة وبشكل فوضوي، بل في تغيير الثقافة السائدة حول “القوة”. القوة الحقيقية ليست في أن **يبدو** كل شيء على ما يرام، بل في الشجاعة على القول: “لا يبدو أني بخير اليوم، وأنا أحتاج إلى مساعدة”.

 

نحن بحاجة إلى:

1. **تطبيع الحديث عن الصحة النفسية:** جعل الحديث عن القلق، الاكتئاب، أو مجرد “التعب” جزءاً طبيعياً من الحوار اليومي، تماماً مثل الحديث عن نزلة برد.

2. **مساحات آمنة حقيقية:** سواء في العائلة، العمل، أو بين الأصدقاء، حيث يُسمح للفرد بأن يكون ضعيفاً دون أن يُحكم عليه أو يُنصَح بـ “قوم صلِّ” أو “الناس كلها بتعاني” كوسيلة لإسكات ألمه.

3. **التعاطف مع الذات:** أن نتعلم نحن كأفراد أن نمنح أنفسنا الإذن بأن لا نكون بخير دائماً، وأن نعترف بما “لا يبدو” للآخرين، لأنه الخطوة الأولى نحو الشفاء.

 

خاتمة

في النهاية، المجتمع المصري مجتمع حي، مرن، ومليء بالحياة، لكنه أيضاً مجتمع يحمل على كاهله جبالاً من التوقعات والضغوط. لقد حان الوقت لكسر وهم “يبدو”، والاعتراف الشجاع بما “لا يبدو”. لأن الهروب الجماعي من الأعباء لن يزيحها، بل سيحولها إلى أشباح تطاردنا في الداخل. فقط عندما نسمح لأنفسنا بأن نكون مرئيين بكل تناقضاتنا، وألمنا، وتعبنا، يمكننا أن نبدأ في بناء مجتمع لا يكتفي بالمظاهر، بل يحتضن الحقائق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى