
الاعتدال…
بقلم : نعمة حسن
الهندسة الخفية التي أقام الله بها العالم
ليست الكوارث الكبرى دائمًا وليدة الشرّ الخالص، بل كثيرًا ما تبدأ من شيء خرج عن حدّه.
صوتٌ ارتفع أكثر مما ينبغي، فصار قسوة.
حبٌّ تجاوز ميزانه، فتحوّل امتلاكًا.
صمتٌ طال، فصار جفاءً.
عملٌ بلا توقف، فأكل الروح.
وعطاءٌ بلا حكمة، فأذلّ صاحبه وأفسد متلقيه.
إن الكون لا ينهار فجأة… بل يختلّ أولًا.
ولعلّ أعظم ما يكشف عبقرية البناء الإلهي لهذا الوجود أن الله لم يجعل النجاة في التطرّف، بل في “الميزان”.
ذلك الميزان العجيب الذي تسير به السماوات، وتنتظم به الأرض، وتستقيم به النفس البشرية.
قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾
— سورة الرحمن
وكأن الآية لا تتحدث عن التجارة فقط، بل عن قانون الوجود كله.
فالطغيان ليس فقط ظلم الناس… بل تجاوز الحد في أي شيء.
حتى الشمس والقمر لم يُتركا للفوضى:
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾
وحتى الليل والنهار لم يتصارعا على الهيمنة:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾
إنه كونٌ كامل يعمل بفكرة واحدة:
“كل شيء إذا تجاوز قدره… انقلب ضد نفسه.”
ولهذا لم يكن الاعتدال في الإسلام فضيلة جانبية، بل كان جوهرًا وجوديًا وحضاريًا ونفسيًا وأخلاقيًا.
قال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
ولم يقل: أمة متشددة.
ولا أمة منفلتة.
ولا أمة صاخبة.
بل “وسطًا”… أي متزنة، عادلة، مستقيمة، قادرة على الإمساك بالخيط بين الإفراط والتفريط.
الاعتدال في الطعام… حين تتحول الشهوة إلى هزيمة
ما أكثر ما أكل الإنسان نفسه قبل أن يأكله الطعام.
لقد رأى القرآن أن خلل المعدة ليس مجرد أزمة صحية، بل اختلال في علاقة الإنسان بالحياة.
فقال:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
آية قصيرة… لكنها تكاد تختصر علوم التغذية الحديثة كلها.
فالإعجاز هنا ليس فقط في النهي عن الإسراف، بل في الترتيب النفسي للحياة؛
أن تأكل دون عبودية.
أن تشرب دون نهم.
أن تستمتع دون أن تتحول اللذة إلى سيطرة.
إن كثيرًا من أمراض العصر ليست بسبب قلة النعمة… بل بسبب غياب الميزان.
الاعتدال في الصوت… لأن الضجيج ليس قوة
كم من إنسان ظن أن ارتفاع صوته هيبة، بينما القرآن ربط الفظاظة بالغلظة والانحدار.
قال تعالى في وصية لقمان لابنه:
﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
يا لروعة التصوير القرآني.
لم ينهه فقط عن الصراخ، بل كشف البشاعة الكامنة فيه.
فالصوت حين يفقد اتزانه لا يعود تعبيرًا عن قوة، بل عن اضطراب داخلي.
حتى النبي ﷺ — وهو قائد دولة وجيش ورسالة — لم تكن عظمته في الصخب، بل في السكينة المهيبة.
إن الذين يملؤون الدنيا ضجيجًا… كثيرًا ما يكونون أكثر الناس فراغًا من الداخل.
الاعتدال في العلاقات… لأن الحب إذا فقد الحكمة صار أذى
ليست كل المبالغات دليل إخلاص.
فبعض الناس يحب حتى يخنق، ويغار حتى يدمّر، ويعطي حتى يُفسد، ويتعلق حتى يُلغي نفسه.
ولهذا جاء القرآن مذهلًا في دقته النفسية:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾
ليست الآية عن المال فقط… بل عن فلسفة التعامل كلها.
لا بخل يميت العلاقات،
ولا اندفاع أعمى يحرقها.
حتى المشاعر تحتاج أخلاقًا.
وحتى الحب يحتاج ميزانًا.
الاعتدال في الكلام… لأن الكلمة إذا كثرت مات معناها
العالم اليوم يفيض بالكلام… لكنه يفتقر إلى المعنى.
قال ﷺ:
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.”
وهنا تتجلى عبقرية الإسلام النفسية؛
فهو لم يجعل الصمت هدفًا مطلقًا، ولا الكلام فضيلة مطلقة.
بل جعل القيمة فيما يُقال، لا في كثرة ما يُقال.
كم من علاقات هُدمت بكلمة زائدة.
وكم من هيبة سقطت بسبب ثرثرة لا ضرورة لها.
إن الحكمة ليست أن تقول كل شيء…
بل أن تعرف متى تتكلم، ومتى تتراجع خطوة إلى الصمت.
الاعتدال في العمل… حتى لا يتحول النجاح إلى مقبرة داخلية
هذا العصر يقدّس الإرهاق كما لو كان بطولة.
الناس يتباهون بقلة النوم، واستنزاف الأعصاب، والعمل حتى الانهيار، وكأن الإنسان خُلق ليكون آلة إنتاج.
لكن الإسلام أعاد الإنسان إلى فطرته:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
يا لهذا الاتزان المدهش.
دين لا يطلب منك الانسحاب من الدنيا… ولا الذوبان فيها.
بل أن تعبرها بوعي دون أن تبتلعك.
فالعمل عبادة… نعم.
لكن تحويل الذات إلى وقود دائم للحياة الحديثة ليس عبادة، بل استنزاف بطيء للروح.
الاعتدال حتى في العبادة… لأن الله لا يريد تحطيمك
ونعم بالله .. ولا اله الا الله محمد رسول الله .
مع تحياتي ..





