أخبار عالميةأخبار عربيهسياسةشئون سياسيةشئون عربية ودوليه

هل ستدرك تركيا والأردن أن الدور سيحل عليهما بعد سوريا؟

هل ستدرك تركيا والأردن أن الدور سيحل عليهما بعد سوريا؟
بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
منذ اندلاع ما يُعرف بالربيع العربي عام 2011، شهدت المنطقة العربية سلسلة من التحولات الجيوسياسية، التي تجاوزت حدود الحراك الشعبي الطبيعي لتتحول إلى عمليات تفكيك ممنهجة للدول، وانزلاقات نحو أتون الصراعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. كانت سوريا واحدة من أبرز الأمثلة على هذا المشهد المعقد، حيث أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
ومع انكشاف أدوات الاستهداف وآليات التفكيك، يتصاعد الحديث اليوم عن الدول المرشحة لتكون الهدف التالي، حيث تبرز تركيا والأردن كدولتين محوريتين في هذا السياق. فكلتا الدولتين تقعان في قلب الشرق الأوسط، وتمثلان مراكز نفوذ جيوسياسية حيوية تسعى القوى الكبرى لتوظيفها أو إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها.
إن ما حدث في سوريا لم يكن مجرد نتيجة للصراعات الداخلية، بل هو انعكاس لصراع أعمق بين القوى العالمية. فالمنطقة، التي تمثل عقدة وصل بين الشرق والغرب، كانت منذ زمن بعيد محط أنظار القوى العظمى. في الحالة السورية، كان الهدف المعلن هو “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، ولكن الواقع أظهر أن المحرك الحقيقي كان إعادة صياغة الخرائط والتحكم بمسارات الطاقة والثروات.
موقع تركيا في المشهد الحالي
تركيا لطالما لعبت دورًا محوريًا في الشرق الأوسط، سواءً كحليف استراتيجي للغرب داخل حلف الناتو، أو كدولة تسعى لتوسيع نفوذها في العالم الإسلامي. لكن هذا الدور، الذي بدا واعدًا في سنوات الازدهار الاقتصادي والسياسي، بدأ يشهد تراجعًا ملحوظًا مع تصاعد التحديات الداخلية والخارجية.
العوامل التي قد تجعل تركيا هدفًا
1. الملف الكردي:
تعد القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا الشائكة التي تواجه تركيا. ففي ظل الدعم الدولي المتزايد للمجموعات الكردية المسلحة في سوريا والعراق، يُخشى أن تتحول هذه القضية إلى أداة للضغط على الحكومة التركية أو حتى لتقسيم الدولة.
2. الأزمة الاقتصادية:
تعاني تركيا من تضخم متسارع وتدهور في قيمة العملة، مما يجعل اقتصادها عرضة للتقلبات الخارجية. هذا الوضع قد يكون مدخلًا للقوى الكبرى لاستخدام العقوبات الاقتصادية كوسيلة لإضعاف النظام الحالي.
3. التدخلات الإقليمية:
الدور التركي في ليبيا، سوريا، والعراق، وإن كان يعكس طموحًا إقليميًا، إلا أنه وضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع العديد من القوى الكبرى والإقليمية.
السيناريوهات المحتملة لتركيا
تصاعد الاضطرابات الداخلية:
إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والسياسية، قد نشهد موجات احتجاجية تستغلها القوى الخارجية لزعزعة استقرار البلاد.
استنزاف على الجبهات الخارجية:
استمرار الانخراط التركي في الصراعات الإقليمية قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وعسكري طويل الأمد.
موقع الأردن في المشهد الحالي
الأردن، الذي يتمتع بموقع استراتيجي بين فلسطين، العراق، وسوريا، يعد نقطة توازن مهمة في المنطقة. ولكن هذا الموقع الحساس يجعله أيضًا عرضة لتحولات خطيرة في حال تغيرت المعادلات الجيوسياسية.
العوامل التي قد تجعل الأردن هدفًا
1. الأزمة الاقتصادية المزمنة:
يعتمد الأردن بشكل كبير على المساعدات الخارجية، سواءً من الدول الخليجية أو الغربية. ومع تراجع هذه المساعدات وزيادة المديونية، تزداد هشاشة الاقتصاد الأردني.
2. الضغوط بشأن القضية الفلسطينية:
يواجه الأردن ضغوطًا دولية وإقليمية متزايدة لإعادة تعريف دوره في القضية الفلسطينية، خاصة مع تصاعد الحديث عن “الوطن البديل”.
3. الهشاشة الاجتماعية:
تدفق اللاجئين من سوريا والعراق، إلى جانب التحديات الاقتصادية، خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، التي قد تكون شرارة لاضطرابات مستقبلية.
السيناريوهات المحتملة للأردن
تغيير النظام السياسي:
قد تشهد الأردن تحركات خارجية وداخلية تدفع نحو تغييرات سياسية جذرية تحت مسمى “الإصلاح”.
تآكل الدور الإقليمي:
في ظل تغير الأولويات الإقليمية، قد يجد الأردن نفسه معزولًا عن المحاور الرئيسية، مما يزيد من أزماته.
كيف يمكن لتركيا والأردن تفادي المصير السوري؟
1. تعزيز الجبهة الداخلية:
في تركيا: ضرورة احتواء الخلافات مع الأكراد والعمل على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
في الأردن: تعزيز العدالة الاجتماعية ومعالجة المشكلات الاقتصادية المزمنة.
2. بناء تحالفات إقليمية قوية:
إدراك أن الحلول الفردية غير كافية، والعمل على تعزيز التعاون مع الدول العربية والإسلامية لتشكيل موقف موحد ضد التدخلات الخارجية.
3. التحرر من الضغوط الدولية:
تبني سياسات خارجية متوازنة تضمن استقلالية القرار الوطني دون الانحياز المفرط لأي طرف دولي.
4. الاستثمار في القوة الناعمة:
استخدام أدوات الدبلوماسية والثقافة والاقتصاد لتعزيز النفوذ الإقليمي والدولي بطريقة غير صدامية.
إن تركيا والأردن، رغم اختلاف ظروفهما، تواجهان تهديدات متشابهة تتمثل في محاولات إعادة صياغة المنطقة. السيناريو السوري يجب أن يكون درسًا واضحًا لهما، بأن المصير ليس قدَرًا حتميًا، بل يمكن تغييره بالتخطيط الاستراتيجي والتحرك الجماعي. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل سيستوعب قادة هاتين الدولتين هذه التحديات ويتحركون لتجنب الكارثة؟ أم أننا سنشهد فصلًا جديدًا من مسلسل التفكيك في المنطقة؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى