
“قطع الأحجية”
بقلم: سارة علي
في رواية البحث عن الأحجية، لا تكتمل الصورة أبدًا دفعة واحدة.
كل تفصيلة… كل لحظة… قد تكون قطعة صغيرة في لوحةٍ أكبر لم نرها بعد.
هذه المرة، لا ننظر من عين البطل، بل من عينٍ أخرى… أكثر هدوءًا، تراقب من بعيد، تفهم دون أن تتدخل، وتتعلم من الصمت أكثر مما يتعلمه الآخرون من الكلام.
كلاهما يحمل الهدف نفسه، لكن طريقهما مختلف.
مراحل البناء الذاتى
ذهبت إلى مقرّ الشركة.
كنت أريد أن أراقب الأوضاع بنفسي، وأقيّم الأداء من زاويتي الخاصة. فالتقارير — برأيي — لم تعد تكفي في مثل هذه الأيام.
دخلت متأخرًا، دون علم أحد، مرتديًا ملابس لم يعتادوا رؤيتي بها. أحب أن أرى الأشياء كما هي، لا كما تُقدَّم لي.
بدأت بمكتب المتدربين؛ كنت أريد أن أتعرف على المواهب الجديدة، وأتأكد من مراحل التعيين ومستوى الكفاءات.
لفت انتباهي شاب يملؤه التركيز والجدّية والالتزام. أنا أعشق هذا النوع من الموارد… لكن شيئًا ما عكّر الصورة المثالية: توترٌ خفيف يختبئ خلف نظرته، خوفٌ من فقدان الفرصة جعله يرتكب أخطاءً ساذجة.
اقتربت منه وجلست بجانبه.
هو لا يعرفني.
– صباح الخير.
– صباح النور.
ابتسمت وقلت:
– يبدو أن لديك الكثير من المهام اليوم.
توتر قليلًا، ثم أجاب بسرعة:
– لا، ليست كثيرة. إنها مهام بسيطة، لقد تدربت عليها كثيرًا.
طلبت أن أرى بعض المهام بنفسي، وتعمدت ارتكاب خطأ صغير، ثم تظاهرت بالارتباك وطلبت مساعدته.
ارتبك في البداية، لكن المدهش أنه، رغم توتره، حاول تهدئتي والسيطرة على الموقف.
كانت فكرته رائعة… لكنه لم يتمكن من تنفيذها بدقة بسبب ارتباكه.
ساعدته في إتمامها، ثم طمأنته بابتسامة. بعدها أوصيت المشرف أن يكون قريبًا منه.
هذا النوع من الأشخاص لا يحتاج تدريبًا إضافيًا… بل ثقة وهدوءًا فقط.
—
عدت إلى مكتبي.
تذكّرت نفسي في تلك الأيام، وتذكّرت النصائح التي كنت أسمعها دائمًا:
> “لا تتوتر.”
“لا تُظهر خوفك.”
“تظاهر بالثقة… لتحصل عليها.”
كلها جمل رنّانة، حفظتها جيدًا، وحاولت تطبيقها… لكنني كنت أفشل في كل مرة.
ضحكت يومها على بساطة تلك النصائح. الجميع يُلقي الجمل… لكن لا أحد يقدّم الطريقة.
لا أحد يشرح الأسباب التي تجعل تطبيقها شبه مستحيل.
الجسد لا يفهم الأوامر. وحتى لو أبرزت له الأسباب، لا يستجيب.
وإن حاولت أن تُخفي خوفك أو تتصنع الثبات، ينهار كل شيء بداخلك كما لم يفعل من قبل.
—
لكنني رأيت كل تلك النتائج بعيني، وجربت كل الطرق، ثم اخترت أمرًا مختلفًا: أن أسأل.
أن أطرح الأسئلة بدلًا من كبتها. أن أبحث عن الأسباب بدلًا من إنكارها.
لم أعد أريد أن أكره خوفي… بل أن أفهمه أولًا.
الكلمات لا تفلح، والنصائح المباشرة لا تغيّر شيئًا.
أما التجربة… فهي الوحيدة التي تترك بصمتها حقًا.
أحيانًا يكون الفارق كله في لحظة انكسار، لكن العودة منها… هي ما يصنع الاختلاف الحقيقي.
—
الخوف من الخطأ، والخوف من مواجهة النفس، هما أكبر عائقين أمام أي خطوة للأمام.
تلك اللحظة التي أدركت فيها أن خوفي من التجربة كان السبب في بقائي مكاني — لم أكن أفتقد القدرة، بل كنت أفتقد الجرأة على استخدامها.
وحين تقبّلت فكرة الفشل، حين نظرت إلى الخطأ كفرصة لا كعقوبة، بدأت أتحرك من جديد…
لكن هذه المرة، بخطواتٍ أكثر وعيًا، لا أكثر ثقة.
يا لها من ذكريات!
ابتسمت لا إراديًا حين تذكرت كيف تحررت من المواقف التي كانت تقيدني.
بدأت ذكرياتي تتخذ شكلًا مختلفًا — كأنها لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت ضرورية.
في تلك اللحظة، شعرت أنني عصفور خرج أخيرًا من قفصه.
الشعور ذاته عاد إليّ، حين حررت إنجازاتي من تقييمات الآخرين،
حين لم يعد التقدير الخارجي هو الوقود الذي يدفعني للأمام.
عندها فقط، أصبح الدافع بداخلي حرًّا… ..لا يُقاس، ولا يُحدَّد بمعايير أحد.





