اخصائي نفسيالأسبوع العربيطبقصة قصيرة

ما يفعله الغياب بالقلب

ما يفعله الغياب بالقلب

متلازمة القلب المكسور
بقلم / سهير محمود عيد
لم ينكسر القلب فجأة،
بل تآكل ببطء… كما تتآكل الأشياء التي تُترك طويلًا دون عناية.
في البداية كان إحساسًا غامضًا بثِقَلٍ في الصدر،
ثم ضيقًا لا تفسير له،
ثم خوفًا صامتًا لا يجد اسمه.
لم يكن حزنًا واضحًا، ولا نوبة بكاء، ولا انهيارًا دراميًا.
كان وجعًا هادئًا… وبهذا كان أخطر.
الغياب لا يوجع لأنه فقد،
بل لأنه يترك القلب معلّقًا بلا إجابة.
لا وداع، لا تفسير، لا لحظة أخيرة تُغلق الباب.
مجرد فراغ بارد يتسلل إلى الداخل،
ويبدأ عمله البطيء.
هو لم يرحل غاضبًا،
ولم يجرحها بكلمات.
رحل كما ينسحب الأكسجين من غرفة مغلقة:
دون صوت،
حتى يختنق القلب ولا يفهم السبب.
كانت قد صدّقت.
وأسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بقلبه
أن يمنحه الأمان في عالم لا يعترف به.
صدّقت البقاء.
صدّقت الطمأنينة.
صدّقت أن الاعتياد لا يُخذل.
وحين يصدّق القلب أكثر مما يحتمل،
لا ينكسر…
بل ينهار.
في تلك الليلة، شعرت بألم يشبه السحق.
كأن ثقلًا هائلًا وُضع فوق صدرها،
لا يُرى ولا يُزاح.
أنفاس قصيرة، أطراف باردة،
وخوف يتسلل بلا سبب واضح.
في الطوارئ، بدت حالة معتادة.
اشتباه جلطة.
أجهزة تراقب، ووجوه محايدة.
لكن القلب كان يعيش شيئًا آخر.
التحاليل لم تحسم،
الأعراض كانت صادقة،
والقلب… متضخم، مرتبك، خائف.
قال الطبيب بنبرة مهنية جافة:
«هذه متلازمة القلب المكسور.»
لم تندهش.
كانت تعرف أن ما حدث في الداخل
أكبر من أن يكون مجازًا أدبيًا.
متلازمة القلب المكسور
ليست ضعفًا،
ولا مبالغة عاطفية،
ولا دلع مشاعر.
هي النتيجة النهائية
لألمٍ طُلب منك أن تتحمله في صمت.
تصيب الذين صبروا أكثر مما ينبغي.
الذين تفهّموا، وتجاوزوا، وسكتوا.
الذين قالوا: «لا بأس»
بينما كان كل شيء ينهار ببطء.
تحت الصدمة العاطفية،
يفرز الجسد كميات هائلة من هرمونات التوتر.
القلب، الذي خُلق ليحتمل الجهد،
لا يحتمل دائمًا الفقد المفاجئ.
فيضطرب النبض،
ويضعف الأداء،
وكأنه يعترف أخيرًا:
«هذا الحمل أكبر مني.»
الخذلان ليس شعورًا نفسيًا فقط،
بل تجربة جسدية كاملة.
يربك الإيقاع،
يغيّر الضغط،
ويترك أثرًا لا تلتقطه الأشعة.
تخرج المرأة من المستشفى،
لكنها لا تخرج من التجربة.
يستعيد القلب انتظامه،
لكن شيئًا داخله لا يعود.
الثقة لا تُرمَّم،
والاطمئنان لا يُستعاد،
وذلك الجزء الذي صدّق يومًا
يتوقف عن المشاركة.
لا أحد يخرج من متلازمة القلب المكسور أقوى.
ولا يتحول الألم إلى حكمة نبيلة كما يُقال.
بعض الخسارات لا تعلّمك شيئًا،
سوى أن قلبك لم يكن مُعدًا لهذا القدر من الغياب.
وأن الغياب،
حين يطول،
لا يترك فراغًا فقط…
بل يعيد تشكيل القلب
على هيئة خوف دائم
من الطمأنينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى