أدب

ماذا يعني التجاوز؟!

ماذا يعني التجاوز؟!
كتب: أحمد النحاس … مدير عام جريدة مصر اليوم نيوز

 

هل من البساطة أن يتجاوز الشخص شخصًا أحبه أو عملاً أتقنه أو صديقًا وفيًا كان ذات نهار ظلاً لأسراره وفاكهة لعذابات روحه؟!

مقالات ذات صلة

هل من الممكن أن يذهب الإنسان ويترك خلفه ذكريات حافلة مفعمة بالحياة تذهب إلى أبعد من الحد وتنتهي؟!

أعلم أن التجاوز مهمٌ جدًا وضروري، لكنني طالما كنت حالمًا، تؤلمني هذه القطعة التي لا تسكن في شمال صدري، دائمًا ما تنبض بهم ولهم، وهذا الخفي الذي لا يكف عن مشاكستي وإشعال النار في وحدتي وصمتي “الشوق” الذي لا أستطيع أن ألمسه بأطراف أصابعي، أتمنى لو أن أكون بلا ظل فأراه وأقوده إلى مصيره الأخير، وهذا الخفي أيضًا الذي يتسرب كالسم إلى عروقي ويسرق روحي في بطءٍ شديدٍ ولذةٍ “الحنين” الذي استوطنني كخرابة رحل عنها القطط وكلاب الليل.

ماذا فعل أولئك الذين كانوا هنا ذات ليلٍ يضيئون العتمة ويملئون خزائن الشعور؟!

لماذا أخبروني قبل أن يرحلوا بأنهم راحلون وقالوا بكل بساطة عليك أن تتجاوز ما كان بيننا، كان يمكنهم الرحيل في صمت، لكن هل حقًا رحلوا، أم أنها خدعة جديدة؟!

اعتدت غيابهم الطويل وجفاء مشاعرهم واعتدت عناق أصواتهم التي تسكن قمة جسدي وتغرد كل صباح على أشجار ذاكرتي وتأكل من قمح روحي كأسراب من العصافير.

هل يمكن أن يتحول الإنسان إلى صفحة بيضاء بمجرد نسيان من كانوا يومًا جزءًا من تفاصيله، أم أن الحبر الذي كتب على روحه لا يمحى بهذه السهولة؟!

أجد نفسي مرارًا أسائل هذا الوجود: كيف نغدو كالغرباء عن أحلامنا القديمة؟ وكيف تصير الأرواح التي خيمت في سمائنا مجرد أطياف عابرة؟!

وأجيب على نفسي بأن التجاوز ليس سوى مسكنٍ للألم، محاولة لتكميم جراحٍ لا تلتئم بل تُخفي نفسها، لتعيد نبضها عندما تسكن العواصف، هو تلك الخدعة التي نقنع بها عقولنا، فنقول إننا تعافينا، لكن الحقيقة أنَّ كل ذكرى هي شوكة في خاصرتنا، كل ابتسامة ماضية هي ثقب صغير في جدار أرواحنا، والوجع الذي تصورنا أنه رحل يعود بقوة أكبر.

أحيانًا يبدو التجاوز كقطعة زجاج ملطخة، كلما حاولنا مسحها، زاد الوضوح بقدر الألم.

قد أقول بكل بساطة أنني مريضٌ بهم وأنه لا يمكنني التجاوز، رغم أنني أعلم أن بقاءهم يفتك بسلامي، كيف يمكن أن أعيش بحرية إذا كان كل حرف من أسمائهم محفورًا في ذاكرتي، إذا كان صوت ضحكاتهم لا يزال يتردد في أذني عندما أحاول الهروب إلى صمتي؟!

ربما كان عليَّ أستحيط قبل أن أبدأ معهم رحلة المعرفة وأن أتعلم قليلاً من حيلهم في المراوغة والأنانية والتخلي قبل أن يرحلوا، لكنني وبعد صدمتي التي لم أكن أتوقع حدوثها لا يمكنني أبدًا أن أتجاوزهم، عالقون كحباتِ جوزٍ داخل رأسي الصلبة ولا يكفون عن تكسيرها.

هناك شيء ما في الحنين يلتصق بأعماقنا كالغبار الذي لا يمكن إزالته مهما غسلناه، كأننا مكتوب علينا أن نحملهم في قلوبنا، ونظل عالقين بين ما كان وبين ما لا يمكن أن يكون، كل محاولة ليست سوى عبور من نوع آخر، عبور إلى عالم من اللايقين، حيث الشوق يأكل من أرواحنا ببطء كما تأكل النار الحطب.

لعل الفكرة كلها ليست في تجاوزهم هم، بل في تجاوز الألم الذي خلفوه.

كيف يتجاوز المرء شيئًا يراه كلما أغمض عينيه، شيئًا يلتف حوله كعباءة ثقيلة كلما حاول النهوض؟!

الأمر ليس ببساطة أن نرحل أو نتجاوز، ربما نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن الألم يزول بالتجاهل أو الرحيل، الحقيقة المؤلمة هي أن الذاكرة لا تموت، وأنها تبقى كنافذة عالقة لا نستطيع إغلاقها تطل مباشرة على قلب العاصفة.

هل من الممكن حقًا أن نتجاوز أولئك الذين كانوا ذات يوم محور حياتنا؟ أم أننا فقط نتعلم كيف نتعايش مع غيابهم، وكيف نحمل أعباء قلوبنا الثقيلة ونمضي في الطريق، رغم كل الشظايا المتناثرة تحت أقدامنا؟

ليس التجاوز قرارًا نتخذه، بل هو صراعٌ مستمر بين العقل والقلب

العقل يقول: “انتهى الأمر، اترك كل شيء خلفك وامضِ قُدمًا”

بينما القلب يرفض الانصياع لهذه التعليمات الباردة، ويصرّ على البقاء في دوامة الذكريات، كأنه يعاقب نفسه على الحنين الذي لا ينتهي.

أحيانًا أفكر، هل التجاوز فعل من أفعال القوة أم الهروب؟ هل نحن حقًا نحتاج إلى تجاوز من نحبهم أم أننا فقط نخشى مواجهة عمق الألم الذي يتركونه فينا؟ هناك نوع من الألم يكون قريبًا من الموت البطيء، تلمسه كل يوم، تتجرعه قطرة بقطرة، لكنه لا يقتلك بل يجعلك أقوى بطريقة غريبة، كما لو أن هذا الألم هو الذي يبنيك من جديد.

قد يكون التجاوز هو الطريقة التي تعلمنا كيف نحيا مع الفراغ الذي يتركه الآخرون، فنحن لا ننسى، ولا ننجو، لكننا نكتشف طريقة جديدة للوجود، نصبح أكثر حذرًا، أكثر خفوتًا، كأرواح تسير بحذر على أطراف أحلامها، لا ترغب في إعادة بناء ما انهدم، لكنها تتطلع إلى العيش في سلام.

ربما لا نتجاوزهم أبدًا، فقط نعيد تشكيل الألم داخلنا، نمنحه أبعادًا جديدة، نرسم له حدودًا، لكننا نبقى عالقين في مساحة بين الوداع واللقاء، نحمل في قلوبنا لحنًا قديمًا لا يتوقف عن العزف مهما تظاهرنا بالصمت.

ماذا يعني التجاوز؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى