أدب

ليلة خريف

بقلم هنا السباعى

ليلة خريف

بقلم الشاعرة / هنا السباعي

مقالات ذات صلة

ليلة خريف حينما اود ان يبدو يومي رائع
اترك الفوضي تحكمني
واترك لحطواتي القيادة ..
ذات مساء راودتني أفكار التخلي عن منطق الترتيب والتخطيط ..
فرحت ارتدي تجهيزات الاستعداد لجولة عشوائية اصاحب فيها هاتفي..
وبعض طرقات لي فيها بالامس اثر خطوات ..
ركبت المصعد يعلن عن تجاوز ادوار الطوابق في هبوط هادئ .
وانا القي نظرة عابرة علي تلك المرآة التي تغلف احد جوانبه ..
فلفت اعيني ملامح وجهي التي كانت تبدو اكثر هدوء وكأنها تركت في حجرتي كل الافكار المثقلة بهموم المهام ..
فكانت تروق استعدادا لرحلة لم تعلم عنها شئ .
وتوقف المصعد وخرجت من احضان جناباته محملة بتلك الطاقة التي منحتني اياها مرآته وقد اكتست كل حواسي بحماس واستعداد..
فرحت انطلق كفراشة طائرة كادت اقدامي المتراشقة لا تلامس الاعداد القليلة من بقايا سلمات الدرج ..
وما ان وصلت الي خارج العقار ، استقبلتني نسمات متلاحقة الوانها توحي بأمان يخلق بروحي نشوة عارمة تغطي الطريق كما لو انها تبحث عن رفقاء لليلتها تصاحب خيالتهم وتباهي ابتساماتهم .
شعرت في استقبال الاجواء بليلتي تغمر حواسي
وعدت من جديد لذاك القرار الذي راود الفوضي تصحبني .
وتركت اقدامي تقود لحظاتي ، دون ان اهبئ بأي طريق ستمر .
فقد أعتادت ان الطرقات صديقاتي ..
كم مررنا هناك مرات انا واحبابي ..كم اشتاقت لها صحبتي ورفاقي .
واذا بي اجد الطريق يتسع وتأخذ أعمدة الانارة تهيمن علي جوانب الطرق تحتفي بالمار وتهديهم الانوار من علياء مكانتها ..
واخيرا ذاك الطريق الذي اعرفه ويحفظ من ذكرياتي وايامي وسنواتي ،
ذلك الدرب الذي كلما اغيب عنه يصبح غايتي ،
فكم تخطيت اركانه بصحبه صديقات ، وكم اخذتني امي اليه كما التي تبارك لقائاتي ،
وحينما توجت عشقي كان يشهد اول لقائاتي ،
وحينما اصطحبت كفوف ابنتي كان صحبتي بها عند كل صباح
انه طريق البحر وكورنيش الاسكندرية ، الذي هو اقرب افكاري عند كل ذكري .
ومضيت تلاحقني حكايات واصوات وزحامات كل الرفاق .كل الاعزاء ..
كما لو كنت في ضيافة طفولتي وصبايا .
امر عند محال باعة الايس كريم فيظهر المشهد الذي كان به سابق زياراتي .
تتطاير سترة رأسي كلما لفحتها نسمات الهواء مع كل شطحات السيارات المسرعة .
فالتفت تسرقني الوان عربات الاجرة التاكسي .
الوانه المعهودة الجذابة التي تضفي السحر علي الطريق .
واذا بي ان وصلت عند احد الكافيهات التي دام بها جلوسي بصحبة امي عند كل غروب ..
جلست بعض الوقت وجاء الجرسون يسألني ماذا اريد ان اشرب ..
وقد شق صوته استرسال ذاكرتي ..
فأنتبهت اليه وقولت ..اشرب كافية لاتية ..
فهذا مشروبي المفضل ..وما ان مرت برهة الا تذكرت انني نويت كسر عاداتي ..
فلحقت كلماتي ..قائلة ..لا ..اطلب ايس كريم .
فرغم برودة الجو الا انني اشعر بدفئ يغمر حواسي ويستمتع بلحظات الفوضوية الخلابة ..
التي ربما تخللها بعضا من مخزون الذاكرة للماضي العذب المفقود ..والذي كاد ان يفسد عليا رحلتي ..
ولكني سرعان ما تخليت عن ذاكرتي ..
واتي الجرسون بالايس كريم .
واخذت اتناوله في متعة فياضة وانا اترك مرمي نظراتي تشاهد السيارات العابرة .
واشاهد المارة في ترقبات وكأنني اسير الي جوارهم .
ما ان يمر عاشقان الا وان اكاد اسمع همساتهما واشعر بحنينهما ..
فاسرح وابتسم ..
واذ يمر ابوين وطفلة فتأخذ عيناي ترقب اقدامها التي تتحجل في سعادة كي تلحق بابويها لتضاهي خطواتهما .
واراني استمع لما يدور بخاطرها حين نظرت الي بائع التين الشوكي تريد بعض الحبات ولا يسعفها سرعة اقدام ابويها .
ومالبست الا وتحولت عبناها الي بائع الذرة المشوي والذي مر جواره بائع الترمس ..
واحتارت المسكينة عن ماذا تلح في طلبه .
فاخذت تبكي وتوقفت عن السير حتي استوعب ابويها انها تعلن احتجاجها وطلب ما تريد ..
واخذت ارقبها وابتسم ..
حتي مر امامي سيدتان تخطي بهن العمر ما زاد عليهن من الوهن في خطواتهن ..
وبرغم ثقل اقدامهن الا انهن تملئ الابتسامة والدفئ وجوههن المشرقة ..
وتعلو الحماسة في حديثهن قد يبدو ان الحديث بكل تاكيد عن ايام شبابهن..
كدت اغرق في حكايا المارة .
كما لو اني فارغة الرأس والفكر ..
واذا ببولة الايس كريم تنتهي ..
فشعرت انها استغرقت الوقت القياسي لكل ما تناولت في عمري من ايس كريم ..
دفعت الحساب ..
ورحت امضي دون هدف ..
فأخذتني خطواتي الي اتجاة الشاطئ حيث الرمال ، فقررت ان اسير فوق بساط الرمال وكلما ترك الحذاء علامات مروري كادت السعادة تغمرني ..
كما لو انني نجحت في ترك بصمات زيارتي ..
حتي تجلت لي فكرة تصوير آثار خطواتي كتذكار عزيز …فأنها ليلة حرة غير تقليدية
حتي مر امامي حافلة ذات الطابقين .
فقررت ان اصعد اليها واجلس بالطابق العلوي ..
وزادت الرياح بنسماتها الباردة هدوئي حتي كدت انعس ..ولكني تنبهت ان استفيق
حتي اسجل هذه اللحظات الرائعة بالتصوير .
فكم كان الطريق ساحر وقد تطوقت السماء بلونها الداكن مرصعة بزينة النجوم في مشهد رائع حينما التحمت باطراف صفحة البحر الذي اخذ من ثوبها اكتماله ..
وصرت انظر الي صفحة السماء واراقب النجوم وارصد اعدادها ..
وابتسم لها كلما لاحظت ان العربة تسابقها ..
ثم وقعت عيناي علي رقم الوقت الذي يرقد يسار هاتفي فاذا بالوقت قد غلبني ..
فقررت العودة .
نزلت من الحافلة في منتصف رحلتها علي وعد لنفسي انني سأعاود مجددا باكر يوما جديد ..
واستوقفت سيارة اجرة ( تاكسي ) ..
الي حيث منزلي ..
عاودت اصعد سلمات الدرج في لهفة وسعادة وقد علت همهمات صوتي بتلك الاغنية التي كنت أرددها في صمت ..
فتحت المصعد فحتضنتني اركانه وكأنما مرآته تنتظرني .
فالقيت عليها نظرة واذا بي اري صورتي كما لو كنت عدت لسابق صبايا تمتلئ عيناي لمعة واشراق طال ما اشتقت اليها ..
وكأني كنت علي موعد مع نفسي ولقاء طفولتي ..
كم ان للفوضي فضل عودتي …وكم انا ممتنة لفوضتي فقد اعادت لي نفسي …

بقلم الشاعرة / هنا السباعي

 

ليلة خريف

ليلة خريف
ليلة خريف

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى