لكل داء دواء .. إلا الحماقة أعيت من يداويها
بقلم .. الصحفي حماده مبارك
في زمن تتسارع فيه وتيرة العلم، وتتعدد فيه وسائل العلاج والتقدم، يظل الإنسان قادرا على مواجهة معظم الأزمات، مهما بلغت صعوبتها، بالعلم والحكمة والتجربة، فلكل داء دواء، ولكل مشكلة حل، ولكل أزمة مخرج ، إلا داء واحدا استعصى على العلاج، وأرهق العقول، وأعجز الحكماء، وهو الحماقة.
الحماقة ليست مجرد نقص في الفهم، بل هي إصرار على الخطأ رغم وضوح الصواب، وعناد يرفض الاستماع، وغرور يعمي البصيرة ، إنها داء لا يرى بالعين، لكنه يدمر العلاقات، ويهدم المجتمعات، ويعطل مسيرة التقدم ، فكم من إنسان أُتيحت له الفرص، لكنه أضاعها بجهله وتعجرفه، وكم من نصيحة صادقة قوبلت بالاستهزاء، فكان الثمن باهظا.
والأدهى من ذلك أن الحماقة قد تتخفى أحيانا في ثوب الثقة الزائدة، فيظن صاحبها أنه على صواب دائم، ولا يقبل النقد أو التوجيه ، وهنا تكمن الخطورة، لأن من لا يعترف بمرضه، لا يسعى للعلاج ، ومن يرفض التعلم، يظل أسيرا لجهله، مهما بلغ من عمرٍ أو مكانة.
لقد قيل قديما ، العاقل من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه ، لكن الأحمق لا يتعظ لا بهذا ولا ذاك ، فهو يسير في طريق الخطأ بإصرار، ويكرر نفس السقوط دون أن يتعلم، وكأن التجارب لم تخلق له.
إن مواجهة الحماقة لا تكون بالصدام أو الجدال العقيم، بل بالحكمة والتجاهل أحيانا، لأن بعض العقول لا تقنعها الأدلة، ولا تغيرها الحقائق ، وهنا يكون الصمت أبلغ من الكلام، والابتعاد أذكى من المواجهة.
وفي النهاية، يبقى الأمل قائما في أن يدرك الإنسان قيمة العقل، وأن يتحلى بالتواضع، وأن يدرك أن التعلم لا يتوقف، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة لا ضعف ، فالحياة لا تحتمل أن نهدرها في معارك مع الجهل، بل تستحق أن نعيشها بعقول واعية، وقلوبٍ صافية، ونفوس تسعى دوما نحو الأفضل.
فلكل داء دواء ، إلا الحماقة، فإنها إن تمكنت من صاحبها، أعيت من يداويها.






