
لا تُعطِ الحزن وقت اطول .
بقلم: نعمة حسن
ماذا لو اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من الألم الذي تحمله اليوم… لم يعد موجودًا أصلًا؟
الموقف انتهى.
والشخص ربما رحل.
والكلمة قيلت وانتهت.
والباب الذي أُغلق صار خلفك منذ زمن.
لكن هناك من أعاد كل ذلك إلى الحياة كل يوم…
أنت، حين واصلت التفكير فيه.
فلماذا لا تنبسط؟
لماذا لا تعيش؟
لماذا لا تُسعد نفسك، وأنت تعرف أن ما كُتب لك لن يأخذه منك بشر، وأن ما لم يُكتب لك لن يمنحه لك بشر؟
نحن نجتهد، نخطط، نسعى، نفكر، نطرق الأبواب ونخلص النية… لكننا في النهاية لسنا أصحاب الكون.
نحن أسباب تتحرك داخل قدر أكبر منا.
وهنا تحديدًا تبدأ الراحة.
أن تعمل بكل قوتك، ثم لا تحمل فوق كتفيك مهمة إدارة العالم.
أن تقول:
أنا فعلت ما عليّ… والباقي عند الله.
وإذا أتعب شيء قلبك بلا جدوى… اتركه.
ليس كل باب يستحق أن تظل واقفًا أمامه.
وليس كل إنسان يستحق أن تشرح له نفسك ألف مرة.
وليس كل موقف يستحق أن تمنحه من عمرك أيامًا إضافية بعد أن انتهى.
تأمل الكون قليلًا.
لا شيء خُلق عبثًا.
ليل يعقبه نهار.
شتاء ينتهي بربيع.
بذرة تُدفن في ظلام التراب، ثم تخرج منه شجرة.
حتى ما نظنه نهاية… قد يكون مجرد مرحلة لا نرى بعدُ ما وراءها.
سنُجرح، نعم.
وقد تمر علينا أيام لو كان الاختيار بأيدينا لما اخترنا أن نعيش منها دقيقة واحدة.
سنفقد أشياء أحببناها.
وقد تخذلنا وجوه وثقنا بها.
وقد تتأخر أمنيات حتى نظن أن أبواب السماء أُغلقت.
لكنها لا تُغلق.
والعجيب في الحزن أنه ربما يكون الشيء الوحيد الذي يولد كبيرًا ثم يصغر.
في لحظته الأولى يبدو كأنه سيبتلع الحياة كلها.
نقول:
لن أتجاوز هذا.
ثم تمر الأيام…
وتنام ليلة دون أن تفكر فيه.
ثم تضحك ضحكة حقيقية.
ثم تمر من المكان نفسه ولا يهتز قلبك.
ثم تتذكر ذات يوم ما حدث، وتتعجب:
كيف كان هذا الشيء يملك كل هذه السلطة عليّ؟
تلك رحمة الله التي تعمل داخلك أحيانًا من حيث لا تشعر.
ولذلك قم.
نعم… قم.
لا تنتظر أن تصبح الحياة مثالية حتى تبدأ في الاستمتاع بها.
اخرج.
كلّم ذلك الصديق القديم الذي ترتاح معه.
اشرب قهوتك في مكان تحبه.
امشِ قليلًا.
شاهد السماء.
غيّر طريقك المعتاد.
تعلّم شيئًا جديدًا.
وإن لم تجد أحدًا يخرج معك… فاخرج مع نفسك.
صادقها.
دلّلها.
عاملها كما كنت تتمنى أن يعاملك الآخرون.
فأنت أول شخص ستعيش معه منذ ولادتك حتى آخر لحظة من عمرك، فلا تجعل علاقتك بنفسك أسوأ علاقاتك.
ولا تعطِ كلمة جارحة عمرًا أطول من اللحظة التي قيلت فيها.
ولا تسمح لإنسان آذاك مرة أن يؤذيك ألف مرة لأنك تعيد المشهد داخل رأسك كل ليلة.
الأذى الأول قد يصنعه الآخرون… أما استمرار الأذى فقد يصنعه اجترارنا له.
والأمر ليس مجرد كلام عن التفاؤل.
التوتر النفسي المزمن يمكن أن يؤثر فعلًا في الجسد؛ في النوم وضغط الدم ونبض القلب وبعض الاستجابات الهرمونية والمناعية، ويرتبط على المدى الطويل بزيادة بعض المخاطر الصحية.
فلماذا تُسكن داخل جسدك معركة انتهت خارجك منذ زمن؟
ثم هناك خوف آخر يسرق أعمارنا دون أن ننتبه:
الخوف من الغد.
ماذا لو لم أنجح؟
ماذا لو خسرت؟
ماذا لو حدث كذا؟
ماذا لو لم يحدث ما أريد؟
فنعيش ألم أشياء… لم تقع أصلًا.
نصنع الكارثة في خيالنا، ثم ندفع ثمنها بأعصابنا وكأنها حدثت بالفعل.
وإذا وقعت يومًا، سنتعامل معها يومها.
أما اليوم، فلماذا نعاقب أنفسنا على مستقبل لم يصل؟
الله موجود.
وهذه وحدها كافية لأن يتغير ميزان الخوف كله.
الله الذي يقول:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
أقرب إليك من كل من تبحث عنده عن الطمأنينة.
يعلم ما قلت، وما لم تستطع قوله.
يعلم الخوف الذي تخفيه بابتسامتك.
يعلم ما فقدت، وما تنتظر، وما دعوت به سرًا ولم يسمعه أحد.
فالجأ إليه.
ثم اعمل.
لا تجعل التوكل عذرًا للكسل، ولا تجعل الاجتهاد سببًا لأن تتوهم أنك وحدك من يصنع النتائج.
اسعَ كأن عليك السعي كله، واطمئن كأن الأمر كله بيد الله.
وأحسن.
أعطِ.
ساعد.
تصدّق.
ازرع خيرًا حتى في الأيام التي تحتاج فيها أنت إلى الخير.
فالله يقول:
﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾
لا يوجد خير يضيع عند الله.
ولا دمعة صادقة تضيع.
ولا تعب صبرت عليه يضيع.
ولا باب أُغلق يعني أن حياتك انتهت.
عزيزي القاريء ..
اسعد ربي جميع اوقاتك وانت ايضا اسعى لاسعاد نفسك .
مع تحياتي ..
ربما حماك.
ربما أخّرك.
ربما أعاد ترتيب الطريق كله من أجلك وأنت لا ترى إلا اللحظة الصغيرة التي أوجعتك.
فلا تقل: فات الأوان.
ولا تقل: العمر ضاع.
ومن أخبرك أصلًا كم بقي من عمرك؟
قد تكون أجمل سنواتك تلك التي لم تأتِ بعد.
وأقرب الناس إلى قلبك شخصًا لم تقابله بعد.
وأعظم نجاحاتك فكرة لم تخطر ببالك بعد.
وأكثر الأيام التي ستضحك فيها ربما لم تصل بعد.
فلا تدفن مستقبلك في مقبرة ماضيك.
خذ من الأمس الدرس… واترك فيه الوجع.
وخذ من الغد الأمل… واترك لله تفاصيله.
أما اليوم؟
فعِشه.
عش يومك كاملًا.
اضحك دون شعور بالذنب.
احبب نفسك دون انتظار إذن من أحد.
ابدأ من جديد ولو للمرة المئة.
واجتهد، وأخلص النية، وأحسن الظن بالله.
فربما الحياة لم تكن ضدك كما ظننت…
ربما كانت فقط تقودك، عبر طرق لم تفهمها وقتها، إلى المكان الذي كان ينبغي أن تصل إليه.
قم… الحياة لم تنتهِ عند أكثر يوم أوجعك.
وربك الذي أخرجك من أشياء كنت تظن أنك لن تنجو منها…
قادر أن يفتح لك من الغد بابًا يجعلك تنظر إلى الوراء وتقول:
الآن فقط… فهمت لماذا حدث كل ذلك.





