
قراءة تأملية في سورة يوسف (13) : يوسف في قصـر العزيز.
مع حرص العزيز على التكتّم حفاظا على هيبة القصر شاع الخبر خارج أسوار القصر، فمن الذي نقله؟ ومن الذي تكلّم؟ المرجّح أن الخبر نقلته زوجات الخَدَم بالقصر (الساقي والخبّاز والحاجب والسايس والسجّان)، ثم تكلّم به نسوة من أشراف مصر، فهنّ القادرات على الكلام في حق امرأة العزيز، ونقل القرآن ذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، توقف العلماء عند تحديد المدينة، فقيل: المقصود بها مصر، والأرجح أنها “منــــف”، ويُذكَر أنها أول عاصمة مركزية في التاريخ، وقد شرُفت بالأنبياء، حيث عاش فيها سيدنا إبراهيم وسارة وهاجر مدة ما، وهي مدينة العزيز وزليخا، وفيها عاش يوسف وسُجِن فيها، وعاش فيها يعقوب والأسباط، ويقال: عاش فيها موسى بقصر فرعون، وهي الآن قرية العزيزية جنوب البدرشين بالجيزة.
ومما يلفت الانتباه تعبير {امرأت العزيز}، فقد جاءت كلمة {امرأت} بالتاء المفتوحة، وباستقراء كلمة {امرأة} في القرآن نجد أنها تُكتَب بالتاء المربوطة حينما يكون الحديث عن المرأة بشكل مطلق وغير محددة ولا مرتبطة بزوج معين، كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ}، وقوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا}، وتُكتَب التاء مفتوحة حينما تقترن المرأة بزوج معروف، كقوله تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ}، و{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ}، وهذا الأمر يؤكد أن كتبة الوحي حينما كتبوا المصحف العثماني قد راعوا دلالات الكلمات.
ولم يكن هدف النسوة من فضح امرأة العزيز رفضا لسلوكها، بل فضحْنَها لسببين: كسر كبريائها ورؤية يوسف؛ إذ حجبته زليخا عن جميع النساء، وكان يُحكَى بجماله، وقولهنّ: {امرأت العزيز} يشير إلى مكانتها الاجتماعية في إشارة منهنّ إلى إهانتها، واستعمال الفعل المضارع {تراود} للدلالة على استمرارها في طلب يوسف، وكلمة {فتاها} تدل على أنها تملكه، وفي ذلك إهانة لها، وتعبير {قد شغفها حبا} تصوير دقيق من النسوة لموقف امراة العزيز من يوسف، فالشَّغَاف هو غلاف القلب وحجابه في لغة العرب، فكأن حبّ يوسف تجاوز هذا الشغاف إلى القلب، والمراد أن حبها ليوسف تملّك قلبها، وتعبير {إنا لنراها في ضلال مبين} يحمل دلالة الإهانة من النسوة لامرأة العزيز، فهي في نظرهن امرأة منحرفة، فماذا صنعت؟
أدركت امرأت العزيز مكر النسوة فاستدعتهن وأعدّت لهنّ مكانا مريحا لتناول طعام من صفاته أنه يُقطَّع بالسكّين كاللحم والفاكهة، ولما جلسْن يقطعن الطعام بالسكاكين ويأكلن أمرتْ يوسف أن يخرج عليهن فجأة، فلما رأينه عظّمنه وقطعن أيديهن دون شعور بالألم من شدة جمال يوسف، وكأن رؤيته خدّرت عقولهن، فأخرجنه من نطاق البشرية، فوصفنه بأنه مَلَك كريم، مَلَك لجماله وكريم لاستحيائه، فلم ينظر إليهن، فهو جميل الوجه كريم الخُلُق، وقد نقل لنا القرآن هذا المشهد في قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}، وهذه الآية تكشف عن ازدهار الحضارة المصرية القديمة، فقد بلغت المدنية فيها درجة الترف في القصور، وكان من مظاهره استعمال السكاكين في الأكل، هكذا كان المصريون قبل آلاف السنين!
هنا وجدت امرأة العزيز عُذْرا لها فيما فعلت مع يوسف، {قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}، أي من رؤية واحدة قطعتن أيديكن فما بالكنّ بي وهو يعيش معي! وهنا اعترفت بأنها طلبته فرفض بقوة، قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}، وفي سابقة لم نسمع بمثلها وإصرار لم نعهده أعلنت امرأة العزيز أمام النسوة أنها ستراوده مرة أخرى مع تهديده بالسجن حال رفضه، فقالت: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}، الصاغرون الأذلاء، وهذا التصرف منها يؤكد أن حب يوسف قد تملّك قلبها، ويدل على ضعف شخصية العزيز أمامها، كما يدل على قوتها وقدرتها على تنفيذ قرارها، ويدل أيضا على تعمّدها إذلال يوسف، ولذلك أكدت كلامها، فجاء الفعل مؤكدا بالنون، فلما وصل الخبر إلى يوسف لجأ إلى الله بهذا الدعاء {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، ودخل يوسف السجن رغم تعدد الشهادات ببراءته، حيث شهد بها أربعة: الله جلّ في علاه؛ حيث قال: {كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، ويوسف نفسه حيث {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي }، والعزيز حيث {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، وزليخا حيث قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} .. وللحديث بقية.






