أخبارالأسبوع العربي

قبل “الفرقعة”.. ابحثوا عن الحقيقة

قبل “الفرقعة”.. ابحثوا عن الحقيقة

قراءة فنية وجيوسياسية لحريق سفينتي التغييز والتخزين بميناء دمياط

كتب: خالد مراد

مع كل حادث كبير، تخرج بعض الصفحات والمواقع الإلكترونية بعناوين مثيرة هدفها تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة. وما إن اندلع الحريق في سفينتي التغييز والتخزين بميناء دمياط، حتى سارعت بعض المنصات إلى نشر روايات تتحدث عن “هجوم بطائرة مسيرة” أو “استهداف بصاروخ”، قبل صدور أي نتائج رسمية للتحقيق.

لكن احترام عقل القارئ يفرض علينا التفرقة بين الخبر المؤكد والفرضية، وبين التحليل والحقيقة.

أولًا.. ماذا لو كانت السفينتان تعرضتا لاستهداف عسكري؟

من الناحية الفنية، فإن إصابة سفينة غاز أو سفينة تغييز بصاروخ أو مقذوف جوي لا تؤدي غالبًا إلى مجرد حريق محدود يمكن السيطرة عليه خلال فترة وجيزة، وإنما تترك آثارًا مادية واضحة، من أهمها:
فتحة اختراق أو تمزق في بدن السفينة عند نقطة الإصابة.

تشوهات وانبعاجات كبيرة في الهيكل المعدني نتيجة موجة الانفجار.

آثار شظايا متناثرة في موقع الإصابة.

احتمال حدوث انفجارات ثانوية إذا امتد التأثير إلى خزانات أو خطوط الغاز.

انتشار النيران بصورة أعنف وعلى نطاق أوسع.

ارتفاع احتمالات وقوع خسائر بشرية وإصابات بين أفراد الطاقم.

أضرار إنشائية قد تؤثر على اتزان السفينة أو صلاحيتها التشغيلية.

أما إذا كان الحريق ناتجًا عن خلل فني أو سبب تشغيلي، فقد يظل محصورًا في جزء محدد من السفينة أو أحد الأنظمة، وتتمكن فرق الإطفاء من السيطرة عليه قبل امتداده إلى الخزانات الرئيسية.

ولهذا فإن مجرد رؤية النيران لا يعني تلقائيًا أن السفينة تعرضت لهجوم عسكري.

ثانيًا.. ماذا تقول الجغرافيا السياسية؟

تداول البعض اسم إيران باعتبارها طرفًا محتملًا، لكن عند مراجعة الواقع السياسي، لا توجد حرب معلنة أو مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر وإيران، كما لم تصدر أي معلومات رسمية أو موثقة تربط طهران بهذا الحادث.

ورغم وجود اختلافات في بعض الملفات الإقليمية، فإن تلك الاختلافات لا تكفي وحدها لتوجيه اتهام خطير دون أدلة قاطعة.

وماذا عن الحوثيين؟

استندت بعض التحليلات إلى تصريحات سابقة للمتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، العميد يحيى سريع، والذي أعلن في أكثر من مناسبة أن الجماعة تستهدف السفن التي تقول إنها مرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها، باعتبار ذلك جزءًا من عملياتها المعلنة للضغط من أجل وقف الحرب في قطاع غزة وإدخال المساعدات الإنسانية.

لكن هذه التصريحات لا تعني أن الجماعة مسؤولة عن أي حادث يقع في المنطقة، ولا تمثل دليلًا على صلتها بحريق ميناء دمياط.

ومن الناحية العسكرية، فإن افتراض وصول طائرة مسيرة من اليمن إلى ميناء دمياط يعني – إذا صح هذا السيناريو – قطع مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر، مع عبور مناطق مراقبة متعددة وتجاوز منظومات رصد ودفاع جوي حتى الوصول إلى هدف بحري محدد داخل أحد أهم الموانئ المصرية.

وحتى الآن، لم تعلن أي جهة مصرية رسمية أو أي جهة تحقيق مختصة أن هذا السيناريو قد وقع بالفعل، ولذلك يبقى في إطار الفرضيات التي تحتاج إلى أدلة، وليس الحقائق.

هل من المنطقي أن يكون الهدف سفينتين فقط؟

إذا افترضنا – على سبيل الجدل – أن هناك جهة أرادت تنفيذ عمل عسكري مباشر ضد مصر، فإن المنطق العسكري يطرح سؤالًا مشروعًا:
لماذا يتم استهداف سفينتين راسيتين داخل الميناء، وليس الميناء نفسه أو أرصفته أو بنيته التحتية الاستراتيجية؟

فإذا كان الهدف هو توجيه ضربة للدولة المصرية أو تعطيل أحد أهم موانئها، فإن استهداف البنية الأساسية للميناء سيكون – من الناحية النظرية – أكثر تأثيرًا من استهداف سفينتين فقط.

وهذا لا يثبت شيئًا، لكنه يوضح أن بناء استنتاجات قاطعة قبل ظهور الأدلة ليس منهجًا مهنيًا.

مصر ليست هدفًا سهلًا
كما أن أي قوة موجودة في المنطقة تدرك جيدًا قدرات الدولة المصرية وقواتها المسلحة.

فمصر تمتلك أحد أقوى الجيوش في الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى جانب منظومات دفاع جوي وشبكات رادارات ومراقبة متطورة، وتولي اهتمامًا بالغًا بتأمين الموانئ والمنشآت الحيوية ومصادر الطاقة.

ولذلك، فإن أي اعتداء خارجي مؤكد على منشأة استراتيجية داخل مصر ستكون له مؤشرات فنية واضحة وتداعيات سياسية وعسكرية معروفة، ولن يبقى مجرد خبر متداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

ماذا فعلت رويترز؟

ومن اللافت أن بعض وسائل الإعلام الدولية نشرت في الساعات الأولى من الحادث روايات أولية استندت إلى تقييمات من شركة الأمن البحري البريطانية أمبري، تحدثت عن احتمال تعرض السفينة لهجوم بطائرة مسيرة.

وكانت وكالة رويترز من أوائل وسائل الإعلام التي نقلت تلك التقديرات بصفتها معلومات أولية من مصادر ملاحية.

ومع صدور البيانات الرسمية المصرية، جرى تحديث التغطيات الإعلامية لتوضح أن وزارة البترول أعلنت السيطرة على الحريق وعدم وقوع إصابات، دون تأكيد أن سببه هجوم عسكري، وأن التحقيقات الفنية لا تزال جارية لتحديد السبب الحقيقي للحادث.

وهذا يؤكد مبدأً صحفيًا مهمًا، وهو أن الأخبار العاجلة تبدأ غالبًا بمعلومات أولية قد تُعدَّل أو تُصحَّح مع ظهور البيانات الرسمية ونتائج التحقيقات، ولذلك يجب التعامل مع الأخبار الأولى بحذر، وعدم تحويلها إلى حقائق نهائية قبل اكتمال الصورة.

الكلمة الأخيرة

لسنا هنا للدفاع عن رواية أو مهاجمة أخرى، وإنما للدفاع عن حق القارئ في معرفة الحقيقة.

فإذا أثبتت التحقيقات وجود عمل عدائي، فستعلن الدولة المصرية ذلك بكل وضوح، وستتعامل معه بما يحفظ أمنها القومي. أما إذا أثبتت أن الحريق ناتج عن سبب فني أو تشغيلي، فسيكون من الواجب أيضًا احترام تلك النتائج.

إن قوة الدول لا تُقاس بالشائعات، بل بقدرتها على إدارة الأزمات، وكشف الحقائق، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

فلننتظر نتائج التحقيقات، ولنجعل الدليل هو الفيصل، لا العنوان المثير، ولا السعي وراء “الفرقعة الإعلامية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى