الأسبوع العربي

فاقد الشىء يعطيه

بقلم د. هويدا مروان
القول الشائع ” فاقد الشىء لا يعطيه” لم تثبت صحته فى كثير من المواقف وطبقًا لكثير من الشواهد؛ وذلك لأنه فى أحوال كثيرة فاقد الشىء قد يعطيه بسخاء. ومع تحليلها منطقيًا يتضح أنها بديهية ومسلمة لا تقبل النقاش؛ بالطبع كيف يعطي من لا يملك؟!
لكن هذا ينطبق على كل ما هو مادي؛ فأنا لا أستطيع الصدقة بالمال ما دمت لا أملكه، أما فيم يخص المشاعر الإنسانية فالأمر نسبي؛ فكثيرًا ما نجد من البشر من حُرم نعمة الحنان من والديه فى صغره وبالرغم من ذلك يفيض حنانا على كل من حوله.
وهناك من فقد نعمة التقدير، تجده أكثر الناس تقديرًا واحترامًا لمن حوله، كما أن من ذاق مرارة الظلم قد يبذل عمره فى الدفاع عن المقهورين والمطالبة بتحقيق العدالة. وهكذا فى مختلف أنواع المشاعر والقيم.
هؤلاء هم أصحاب النفوس السوية الذين حولوا طاقة الحزن والفقد والحرمان والخذلان إلى طاقاتٍ من نور تضىء دروب الحياة لكل محتاج. هؤلاء من يرون فى كل محنة منحة وفي كل ابتلاء درس عظيم. لذلك عاشوا ملهمين لغيرهم، باعثين الأمل في نفوس كل من يقترب منهم.
أما من اعتادوا رؤية الجانب المظلم من الحياة واطمأنوا للعيش في دور الضحية، والاتكاء على معاناة الماضي، بالطبع فقدوا القدرة على العطاء لأنهم سجنوا أنفسهم داخل مشاعر الألم والحزن واللوم فكيف يأخذون بأيدي غيرهم إلى واحة الأمل!
والحقيقة أن للعطاء في حالة الفقد تفسيرات متعددة منها النفسي، والفلسفي، والتربوي نناقشها بشكل موجز فيم يلي:
فمن منظور علم النفس، قد يعطي الشخص القيمة النفسية والمشاعر المرتبطة بما افتقده بصورة مبالغ فيها من خلال ما يعرف بآلية التعويض، فالشخص الذي امتلأ بالشعور بالنقص منذ نشأته الأولى تجده يسعى للتعويض والشعور بالقيمة وقد يبالغ في منح هذا الشعور لغيره كما يستخدم بعض الأشخاص أحيانًا آلية الإسقاط وهي آلية دفاعية لاواعية ينكر فيها الشخص ما لديه من صفات غير مقبولة ويلصقها بالآخرين، أو يستخدم آلية التماهي مع المعتدي فيتقمص صفات الشخص الذى آذاه في صغره فتجد الطفل الذى تعرض للقمع من والده يصبح نفس الصورة عندما يكبر ويصير أبًا. وهكذا من خلال العديد من الحيل النفسية وآليات الدفاع قد تعكس عبارة فاقد الشىء يعطيه صراعًا نفسيًا، لكن لابد من لفت الانتباه إلى أن كل عطاء لا يمثل نقصًا أو حيلة نفسية، بل العطاء المبالغ فيه، والعطاء الذي لم يستطع صاحبه تخطي مشاعر الألم، ولم تلتئم لديه جراح الماضي، أما العطاء المتوازن فهو ما ينبع من امتلاء حقيقي ودعم وتحويل كل نار تشعلها صدمات الماضي إلى طاقات من نور.
والتفسير الفلسفي أن الوعي بالنقص هو أصل الوعي؛ فالشىء لا يدرك إلا بغيابه، وفاقد الشىء هو أكثر الناس وعيًا به، من منظور الوجودية الإنسان يخلق ماهيته من خلال تعامله مع نقصه فالفاقد للحرية يكرس حياته مناضلًا من أجلها، كما أن المعرفة بالجهل أرقى أنواع المعرفة فسقراط عندما قال أن ” كل ما أعرفه هو أني لا أعرف ” منح الآخرين القدرة على السؤال والبحث، فالمعلم الحكيم لا يعطي طلابه المعلومات الجاهزة ولكن يفتح لهم طريق التفكير والشك.
أما التفسير التربوي لعبارة ” فاقد الشىء يعطيه” فيشتمل على وجهين، ويتجلي ذلك من خلال بعض الأمثلة منها، ذلك الأب الذى لم يحقق حلمه في الالتحاق بدراسة أو نوع معين من التعليم أو أنه لم يتمكن من استكمال تعليمه لظروف ما، ينعكس هذا فى تربيته لابنه فيحيطه بكل ألوان الرعاية ليكون هذا الابن هو الوسيلة ليحقق الأب أحلامه الفائتة، فهو من يختار نوع الدراسة التي يلتحق بها هذا الابن دون النظر إلى قدراته وأحلامه ورغباته. هنا يتعرض الابن إلى ضغط نفسي قد يعوقه للتعامل بصورة طبيعة مدى حياته وفي هذه الحالة فاقد الشىء أعطاه لكن فى الاتجاه الخاطىء. تمامًا كالمعلم الذى افتقد القيم النبيلة من خلال التربية بالقدوة تجد طلابه يقلدون بعض أفعاله غير اللائقة لاسيما فى المراحل التعليمية الأولى وبنفس الطريقة إن كان يملك أخلاقًا وأفعالًا راقية ويسلك سلوكًا طيبًا برغم ما قد يكون قد افتقده في مراحل تعليمه من تلك الأمور؛ فقد يكون قد تعرض لقسوة شديدة من أحد معلميه ولما صار معلمًا تعامل بكل رفق ولين مع طلابه، فأعطى الحب والرحمة التي افتقدها.
وبعد كل ما سبق من تفسيرات يأتي التأكيد على أن عبارة ” فاقد الشىء يعطيه” كما أن لها تفسيرات سلبية، هي أيضًا تحمل جانبًا إيجابيًا وهو الأكثر إشراقًا وهو الذي يستحق التمسك به؛ فقدان الشىء في أغلب الأحيان يكون مصدر العطاء والقوة والتأثير في حياة الآخرين، فالفقدان لا يعد نقصًا؛ بل وعي بقيمة الشىء فمن لم يقاسي ألم الحرمان لا يشعر بقيمة الامتلاك والوفرة، ومن لم يذق مرارة الحزن لا يعرف قدر السعادة. وكما يقال ” ما زاد عن حده قلب إلى ضده” فالعطاء المتوازن والإيجابي هو المعنى المنشود لعبارة فاقد الشىء يعطيه.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى