
غربة العمر… حين تتوارثها الأجيال
كتب/طلبه عبدالكريم الجازوى
حين يصبح السعي وراء الحياة الكريمة سببًا في فراق الآباء والأبناء.
في كثير من البيوت العربية، لا تكون الغربة مجرد سفرٍ مؤقت، بل تتحول إلى واقع طويل يعيشه الأب الفقير، مضطرًا لترك وطنه وأهله بحثًا عن لقمة عيش تحفظ لأبنائه مستقبلهم وكرامتهم. يغادر المكان، لكن قلبه يظل معلقًا بالأبناء، يعيش على الشوق والانتظار.
يخرج الأب إلى الغربة وهو يحمل حلمًا واحدًا: أن لا يعيش أبناؤه قسوة الفقر التي عاشها، وأن يجدوا تعليمًا أفضل وحياة أكثر أمانًا واستقرارًا. يعمل سنوات طويلة، يكدّ ويتحمل مشقة الغربة، مقابل رؤية ابتسامة على وجوه أولاده.
تمرّ الأعوام، ويكبر الأبناء، ويشتدّ الشوق في قلب الأب. يحلم باليوم الذي يعود فيه ليستقر بينهم، يجلس معهم بلا خوف من الغد، متخيّلًا أن تعبه الطويل قد أتى بثمار.
لكن الواقع صادم أحيانًا؛ فيجلس الأب أخيرًا وسط أبنائه ليكتشف أنهم يستعدون هم أيضًا للرحيل، بحثًا عن حياة كريمة ومستقبل أفضل. تتحول فرحة اللقاء إلى وجع صامت، وتصبح الراحة حلمًا مؤجلًا.
لا يقف الأب في طريقهم، لأنه يعرف معنى الفقر ويختار أن يواصل الدعاء لهم بالغربة التي ذاقها. وهكذا تصبح الغربة ميراثًا غير مكتوب، يتوارثه الأبناء من الآباء. أب اغترب ليؤمن حياة كريمة لأبنائه، وأبناء يغتربون ليؤمنوا نفس الحياة لأبنائهم.
هي مأساة صامتة تعيش في بيوت الملايين، أب لم يشبع من أولاده، وأبناء لم يشبعوا من وجود أبيهم، جمعتهم الغاية وفرّقتهم الظروف، ويبقى الأمل أن يأتي يوم لا تكون فيه الغربة ثمنًا
للحياة الكريمة.





