أدب وشعر

عزاء واجب

منى عبد اللطيف

عزاء واجب 

قصة قصيرة بقلم الكاتبة ونائب رئيس قسم الأدب بجريدة مصر اليوم نيوز منى عبد اللطيف

وقفت أمام قاعة المناسبات المخصصة للعزاء مترددة قدم تحثني على التقدم والأخرى تتوسل أن أبتعد وانا بينهما لا أدري أين أنا؟ أو من أنا؟ وماذا أفعل هنا؟

مقالات ذات صلة

أأدخل وأجلس بين المعزين أم أقف أمام المدخل لأخذ العزاء أم أعود من حيث أتيت؟

قلبي يؤلمني وصورة القاعة تبهت شيئا فشيئا أردت أن أبكي فابتسمت!

أخترت أن أعود من حيث أتيت

فوجدتني في الداخل جالسة فوق أحد المقاعد لا أدري ماذا أفعل؟

لا أستطيع البكاء فقط تلك الغصة المؤلمة وغرابة حوت طيف أريحية!

ربما لأن جميعنا زائلون…

أو ربما تلك النهاية التي تلوح من بعيد مهدئة رغم زحف اللحظات وثقلها…

غرقت بأفكاري كعادتي أهرب منها وإليها…

حتى لمحت أختي قادمة من بعيد وخلفها فوج من الأصدقاء

نهضت كالطفل التائه الذي وأخيرًا لمح قريب!

حطتها بذراعي فأبعدتني بكفيها،

جلست من جديد ألوم نفسي،

حاولت الهرب مرة أخرى لأفكاري فلم أستطع نظرت حولي على هؤلاء الأقارب الغرباء أو ربما أنا فقط الغريبة عشت عمري غريبة عنهم بل عن الحياة نفسها ارتضيت بدور المتفرج لم اختر بل طُبعت عليه،

ربما هذا هو دوري في الحياة محض مشاهدة أجلس وحدي في ركن خفي يطل على مسرح الدنيا

أرى الجميع ولا يروني!

تتجلى بواطنهم دون زيف ولا أقنعة

فأمامي سقطت كافة الأقنعة…

ولم أفهم يوما السبب، بل أحيانا أشتهي لطف الرياء…

لكني لم أنل ولم أهتم رغم الحاجة ظللت لا أهتم بكل شيء…

كطفيل حقير أو زائر ثقيل لم يطرق بابا إلا وأوصده القدر أو ربما كل الشرور من فعل البشر

لا يهم فلقد زهدت السؤال،

وها أنا سكنت غربتي وسكنتني فصرت بعيدة لا أشعر مثلهم ولا أفهم مشاعرهم فقط أجاري ما يحدث بمشاعر عضوية باطنها الجسد أتألم أمرض، لكن لا أحزن لا أفرح مجرد تعاطف طفيف مع المشهد الحالي لا يرتقي إلى الشعور…

حالة لا إنسانية من التردد بين الجمود واللامبالاة اللافتة للنظر، فألمح نظرات الحسد على ثباتي الانفعالي وأحيانا يلوموني لقسوتي!

لكنهم لا يعلمون…

ففي يوم مجهول كطرقات عمري انسلخ جسدي عن مشاعر البشر ولهاثهم الدنيوي فبت جامدة، أمقت طبقات الجليد التي حاصرتني أريد أن أحطمها أتحرر اشتهي دفء الشعور صرخة من الداخل ربما يتصدع،

أفتح فمي أزفر بكامل قوتي فتخرج أدخنة السكون الرمادية ويحترق جلدي بجحيم حنقي ورغبتي،

يلوح الجليد بلسانه ساخرًا متحديا ويقسم بردا وسلاما فلا يفنيني ولا يصهره الاحتراق،

ويهطل مرار التعاطف فأربت بيميني على صدري وأتأمل نابشة عن ضريح شعوري فيوقظني تجرد بحت اعتلى عقلي واترنح بين منظور ونظريات حتى أسقط من جديد في غربتي الأزلية،

في دنيا لا أنتمي إليها، ومسرح لا يسعني، وعائلة لست منهم وليسوا مني!

مثل جملة ختمت بفصلة منقوطة، لا هي انتهت ولا هي مرتبطة بالبقية، وها أنا ذا  تلك الجملة الغريبة عن الجميع المختبئة خلف فصلة منقوطة يتبعها العديد من الاحتمالات التي لا تنتمي إليها هي فقط وحيدة تألمت حتى أزعنت عن تراض!

قطعت شرودي إحدى المتأرجزات من أشباه الأقارب

ظهرت بجواري من العدم تسلم بحميمية وتسألني إذا كنت أذكرها!

وحين لمحت حيرتي ذكرتني بحميمية زائفة وأشارت إلى ابنتها التي أشاحت بوجهها فور أن نظرت إليها فعادت الأم من حيث أتت،

نظرت خلسة أبحث عن اختي فوجدتها جالسة في ابعد بقعة عن مكاني،

احتقن صدري فنهضت مغادرة بهو العزاء الخانق أتلمس هواء وحدتي وأماني في أحد الأزقة الخالية، اتكأت على سيارة عارية من الألوان، شهقت، أخرجت قداحتى وبأنامل مرتعشة أشعلت سيجارة وحيدة سكنت علبتي النحاسية، دققت بصري في الأسفلت عللي ألمح وجهي على صفحة السواد اللامع باحثة عن ملامحي أتلمس قوة في صلابتها حتى التقينا،

زفرت ضعفي، ربت بحنان على كفي تنفست السيجارة بعمق فعانق سوادها قلبي طاردا الألم، وأحاطتني أدخنتها مطمئنة حتى انتهت ولحقت بما سبقها، تأملت عقبها باحتقار، لفظته أناملي إلى الشارع ثم سحقت بقدمي آخر ما بقى من شعلته لينطفئ اخيرًا، وعدت عازمة أن أنهي ما بدأت،

وجدت مقعدي في انتظاري فجلست، لكن تلك المرة أخرجت مصحفي ورحت اقرأ بعض الآيات القرآنية للمتوفي فهذا واجبي تجاهه وأنوي أن اؤديه على أكمل وجه…

تبادر على صفحاته خيال فرفعت وجهي لأجدها جدتي تلك الأم الثكلى عيونها شاردة تقف أمامي تتفرس وجهي الغريب باحثة عن شيء ما!

ربما هو الحنين بسبب صلة الدم أو ربما لأني اشبههما كثيرا كما أخبرني البعض!

لم افهم سبب وقوفها أمامي خاصة بعدما مضت وعانقت أخرى جالسة على المقعد المقابل لي ثم عادت لمجلسها!

لم ألومها…

فقط أعدت وجهي لكتابي واكملت القراءة حتى انتهى الوقت ومضيت بين جمع الناس لم أرغب في الذهاب إلى البيت مباشرة فقط أردت أن اتمشى لبعض الوقت بحثت عن أكثر الشوارع ازدحاما وتمشيت وسط الزحام

ففي الزحام جميعنا غير مرئي

في الزحام الجميع مثلي وأنا مثل الجميع

في الزحام غربتي وطن وجمودي دين وتيهي طريق،

وأنا اليوم في أمس الحاجة إلى الانتماء…

أنهيت جولتي وعدت إلى البيت قابلت جارتي التي اقتربت لتعزيني وحين رأتني ابتسم أشاحت بوجهها عني في نفور وغرابة!

لم أبالي فقط صعدت الدرج لأصل أخيرًا إلى البيت وأجد أمي في انتظاري وعينيها مغرورقتان بالدمع حين رأتني فتحت ذراعيها لأرتمي بأحضانها فارتميت، ربت على ضهرها لتهدأ ثم اعتدلت في جلستي،

أنا أحب حضن أمي ونقاء روحها، لكني أحيانا أختنق بهما…

جلست في مواجهتها فسألتني من بين دموعها “كيف حالك؟”

أجبتها “لا أعلم ”

صمتت لبرهة وعينيها تصرخ بملايين الأسئلة ثم قالت “كان يوم صعب…”

انتظرت أن تكمل لكنها صمتت في انتظار أن احكي لها عما جرى خلال اليوم فقلت “مثل غيره من الأيام”

قالت بإنكار ” كيف يا ابنتي؟ ألست حزينة؟”

صمتت لبرهة وسألت نفسي هل أنا حزينة؟

لم أكن أنوي أن أرد هذا الرد على أمي فأنا أعلم إنها لن تفهمني لكني قلتها لنفسي بصوت عالٍ فكانت الرد… “أتعلمين أن تلك هي المرة الأولى في عمري التي سأجد فيها عذرا حقيقيا لأبي في نزوحه عني!”

ولأول مرة بكيت… .

ـ تمت ـ

تمنياتي بقراءة ممتعة 

عزاء واجب

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى