أدب

عبادة تسمو فيها الأرواح

عبادة تسمو فيها الأرواح
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الجمعة الموافق 2 أغسطس 2024
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد، لقد كانت الصحابة رضوان الله تعالي عليهم أجمعين إذا اعتدى أحدهم على مسلم ضعفت نفسه في موقف، فعن معاوية بن الحكم السلمي، قال، في حديث طويل يرويه الإمام مسلم، منه وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، عدا الذئب على شاة فأخذها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، ضربها بكفه على صفحة وجهها، تأثر كيف يذهب الذئب بغنمه، بشاة، كيف يذهب بها، أين أنتي؟ أين حراستكي؟ أين رعايتك للغنم؟

فقد تأثر فضربها بيده على صفحة وجهها، فماذا كان موقف الصحابي لما أخطأ، لما أخطأ في حق هذه المرأة المسلمة، فأتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم لينظر ماذا عليه، في هذه الضربة، كما أثرت في وجه المرأة أثرت في نفس الضارب، أثرت في نفسه، فأتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، كيف تفعل هذا الفعل، كيف تفعل، كيف تضرب على الوجه، كيف تضرب أصلاً، ماذا فعل الصحابي عندما عظم رسول الله صلي الله عليه وسلم هذا الأمر؟ قلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ أيهما أغلى الشاة أم المرأة، الراعية، الأمة عند الرجل؟ الأمة عند الرجل أغلى، وفائدتها عنده عظيمة، لكن لما تأثر ما صار عنده مانع أن يعتقها، قال أفلا أعتقها؟ قال ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها أين الله؟ قالت في السماء، قال صلي الله عليه وسلم من أنا؟ قالت أنت رسول الله.

قال ” أعتقها فإنها مؤمنة ” وإن جبر الخواطر خلق إسلامي عظيم يدل على سمو نفس وعظمة قلب وسلامة صدر ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوسا كسرت وقلوبا فطرت وأجساما أرهقت وأشخاص أرواح أحبابهم أزهقت، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين “اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني” رواه الترمذي، والنبي صلى الله عليه وسلم الذي أحب مكة التي ولد فيها ونشأ، أخرج منها ظلما، فاحتاج إلى شيء من المواساة والصبر على فراق بلده الذي أحبه، فأنزل الله تعالى له قرآنا مؤكدا بقسم إن الذي فرض عليك القرآن وأرسلك رسولا وأمرك بتبليغ شرعه، سيردك إلى موطنك مكة عزيزا منتصرا وهذا ما حصل.

ومثله أيضا قوله تعالى “ولسوف يعطيك ربك فترضى” وفي قوله تعالى “فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر” وكان من توجيهات الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكما كنت يتيما يا محمد فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذل النهر مع ذل السؤال، وعاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم لأنه أعرض عن ابن أم مكتوم وكان أعمى عندما جاءه سائلا مستفسرا قائلا علمني مما علمك الله، وكان النبي منشغلا بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله تعالى “عبس وتولى أن جاءة الأعمى وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى”

ومن جبر الخواطر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ما رد سائلا قط بل كان يرشد الصحابة للحل ويدلهم على الطريق ويطيب خاطرهم فقد دخل عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال يا أبا أمامة، مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى عنك دينك، قلت بلى يا رسول الله؟ قال قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، وأعوذ بك من العجز، والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال، قال أبو أمامة ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى