
صراع ترامب وكارني ينذر بتغيير جيوسياسي
كتب : عطيه ابراهيم فرج
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب دعوة رئيس وزراء كندا مارك كارني للانضمام إلى “مجلس السلام”، في خطوة تبدو عقابية على خلفية تبادل علني حاد للانتقادات بين الزعيمين. جاء ذلك عبر منشور على منصة “تروث سوشال”، مما أثار تساؤلات حول مستقبل التحالف التاريخي بين البلدين الجارين.
كندا في عصر التراجع الديمقراطي: رؤية كارني :
في ردٍّ واضح من منتدى دافوس، أكد رئيس الوزراء الكندي أن بلده يجب أن يكون “نموذجاً في عصر التراجع الديمقراطي”. وأشار إلى أن كندا لا تستطيع حل جميع مشاكل العالم، لكنها قادرة على إثبات وجود مسار بديل عن الاستبداد والإقصاء، وأن مسار التاريخ ليس مقدراً له بالانحراف نحو النماذج السلطوية.
اعتماد اقتصادي ومواقف سياسية متشابكة :
يكمن التناقض الصارخ في الموقف الكندي: فبالرغم من انتقادات كارني اللاذعة والمتكررة لترامب منذ توليه المنصب قبل تسعة أشهر، تبقى كندا شريكاً اقتصادياً شبه كليّ الاعتماد على الولايات المتحدة. فالسوق الأمريكية تستقبل أكثر من ثلاثة أرباع صادرات كندا، مما يجعل العلاقة التجارية حبل نجاة واعتماداً استراتيجياً في الوقت ذاته.
تهديدات التوسع وخرائط الذهب الأمريكي :
تصعيداً للتوتر، عاد ترامب إلى تهديداته السابقة بضم كندا، حيث نشر مؤخراً صورة لخريطة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا وكوبا مغطاة بالعلم الأمريكي. هذا التصعيد البصري لا يعدو كونه رسالة سياسية قوية حول التطلعات التوسعية ونظرة ترامب لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي.
نهاية نظام عالمي قائم على القواعد :
يصرّ كارني على أن النظام العالمي القائم على القواعد والقوانين، والذي قادته الولايات المتحدة لعقود، يعاني من “تصدع” كبير. في خطاب سابق أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، حذر من أن القوى المتوسطة التي ازدهرت في عصر الهيمنة الأمريكية، مثل كندا، يجب أن تدرك أن واقعاً جديداً بدأ، وأن الامتثال وحده لن يحميها من عدوان القوى الكبرى.
استجابة كندية زيادة الإنفاق الدفاعي :
كرد فعل على هذا الواقع الجديد، أشار كارني إلى خطط حكومته لزيادة الإنفاق الدفاعي، مؤكداً على ضرورة “الدفاع عن السيادة وتأمين الحدود”. ووصف كندا بأن لديها “تفويضاً لتكون منارة ومثالاً يحتذى به لعالم في عرض البحر”، في إشارة إلى دورها كدولة مستقلة ذات مبادئ في محيط مضطرب.
انقسام عالمي وإعادة تعريف التحالفات :
يعكس هذا الصراع الثنائي صورةً مصغرة عن الانقسام العالمي الأوسع. يقول كارني: “العالم أكثر انقساماً. التحالفات السابقة يعاد تعريفها، وفي بعض الحالات، تُقطع”. هذه الرؤية تؤشر إلى تحول جذري في المشهد الجيوسياسي الدولي، حيث تتهاوى اليقينيات القديمة لتحل محلها تحالفات هشة وإعادة تشكيل مستمرة للمحاور.
خاتمة شراكة تحت الاختبار :
في النهاية، رغم كل الخلافات، أقر كارني بـ “الشراكة الرائعة” بين البلدين، معيداً التذكير بأن “كندا تزدهر لأننا كنديون”، وليس بفضل جارتها الجنوبية فقط. يبدو أن العلاقة بين واشنطن وأوتاوا تمر باختبار وجودي، نتائجه ستحدد ليس فقط مستقبل التحالف بينهما، تشكّل نموذجاً لمصير التحالفات التقليدية في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية الأحادية.





