الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

شهادة إنصاف: مركز الحكيم الطبي

شهادة إنصاف: مركز الحكيم الطبي

عندما يتحول الكسر إلى جبر

بقلم: تقوى باناجه

قدر الله أن يقع خطأ طبي غير مقصود أدى إلى كسر إحدى تركيبات الأسنان الأمامية الثابتة. وبطبيعة الحال، كان حجم الانزعاج والإحباط الذي شعرت به كبيرًا؛ فهذه التركيبات لم تكن مجرد إجراء طبي عابر، بل كانت رحلة طويلة استنزفت الكثير من الوقت والجهد النفسي، فضلًا عن تكلفتها المادية.

والحق يُقال، لم أكن أتوقع أكثر من اعتذار تقليدي أو بعض التبريرات الفارغة التي تحاول تخفيف وقع الخطأ دون تحمل مسؤوليته الكاملة.

وربما يعود ذلك إلى ما اعتدته خلال رحلتي الطويلة مع التركيبات السنية، بين عيادات مختلفة، ومناطق متباينة، وأطباء متفاوتين في الخبرة والأسلوب.

لكن ما أظهرته إدارة مركز الحكيم الطبي من احترافية ومسؤولية واهتمام حقيقي فاق جميع توقعاتي.

فمنذ اللحظة الأولى، كان التعامل مختلفًا. ابتداءً من الأستاذة إسراء في الاستقبال، والتي لا أبالغ إن قلت إنها كانت تتواصل معي بصورة شبه يومية للاطمئنان على حالتي النفسية ومتابعة تطورات الأمر، مرورًا بإبلاغي بقرار الإدارة بتحمل تكلفة تعويض السن المكسور بالكامل على نفقتهم الخاصة، وتنظيم المواعيد بما يتناسب مع ظروفي الراهنة، وانتهاءً بالتأكد من رضاي التام عن النتيجة النهائية.

أما الدكتور مهدي، وهو الطبيب البديل الذي تولّى متابعة حالتي بعد وقوع الخطأ، فقد أظهر من الصبر والدقة والاهتمام بالتفاصيل ما يصعب وصفه. إذ كان حاضرًا بنفسه في كل خطوة، حريصًا على الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، ومتجاوزًا حدود الواجب المهني إلى مستوى الإتقان الحقيقي. كما لم يغفل عن الالتفات إلى مشكلة الفك التي أعاني منها – رغم أنها لم تكن سبب المراجعة الأساسي – وأرشدني إلى استشاري مختص في المملكة العربية السعودية لمتابعة الحالة.

وقد يظن البعض أن بعض المؤسسات قد تبالغ أحيانًا في إظهار الاهتمام عند وقوع خطأ ما، حفاظًا على سمعتها أو رغبةً في احتواء الموقف بأقل الخسائر الممكنة.

لكن ما شهدته شخصيًا كان أبعد من ذلك بكثير.

أن تُفتح العيادة خصيصًا من أجلي خلال أيام الإجازات، وأن تُطرح فكرة التواصل مع المعمل الذي نُفذت فيه التركيبات سابقًا في القاهرة وإرسالها إلى الإسكندرية – لولا ضيق الوقت وتعذر التواصل مع العيادة السابقة – وأن تُعدّل جداول العمل الرسمية للطبيب والفريق المساعد لضمان الانتهاء من جميع الإجراءات قبل موعد سفري.

وأن يذهب الطبيب بنفسه إلى المعمل لمراجعة وتصحيح درجة تباين طفيفة جدًا في لون التركيبة، وأن أجد هذا القدر من الاهتمام والمتابعة من الأستاذة إسراء، وكأن السن المكسور كان سنها هي لا سني، وأخيرًا أن تُفتح العيادة قبل ساعات قليلة فقط من موعد سفري للتأكد من النتيجة النهائية.

كل ذلك وضعني أمام حالة من الدهشة الصادقة، ولا سيما أن هذا الاهتمام كله لم يكن نتيجة متابعة مني أو أي مطالبات؛ إذ كنت قد عقدت العزم منذ وقوع هذا الخطأ على استبدال جميع التركيبات الأمامية لتصبح متطابقة ومتجانسة دون أي تباين، ورأيت في هذا الظرف فرصة للبحث بهدوء عن العيادات المتخصصة، ومقارنة خبراتها ومستوى احترافيتها، ثم اختيار ما أراه الأنسب.

لذلك لم أكن أتطلع إلى أكثر من حل مؤقت إلى حين أن تسعفني الظروف والوقت لتنفيذ الاستبدال الكامل، وهذا ما جعلني أتعامل مع الموقف بقدر كبير من اللامبالاة الظاهرة.

وأذكر أن الأستاذة إسراء طلبت مني حينها الانتظار ريثما تُطلع الإدارة على ما حدث، فأجبتها: «لديكِ رقمي.. أنا الآن مستعجلة»، ثم غادرت وأنا على شبه يقين بأن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأن خروجي هو أشبه بتنازل غير معلن عن أي مطالبات.

غير أن مركز الحكيم الطبي كان له موقف آخر تمامًا..

موقف خيّب هذا الظن بأجمل صورة، وأثبت أن المهنية الحقيقية لا تُقاس بكيفية العمل حين تسير الأمور على ما يرام، وإنما بكيفية التعامل عندما يقع الخطأ.

حتى وجدت نفسي أتساءل: هل يوجد حقًا في أوطاننا العربية هذا المستوى من المهنية والاحترافية والالتزام بالمسؤولية؟

مركز الحكيم الطبي..

شكرًا لأنكم جعلتم من الكسر جبرًا.

شكرًا لإدارة حكيمة ومهنية كانت على قدر الحدث والمسؤولية.

شكرًا لطبيب تجاوز حدود أداء الواجب إلى مرحلة الإتقان الحقيقي.

وشكرًا للأستاذة إسراء، التي تجاوزت دورها الوظيفي لتكون أختًا وصديقةً وسندًا في موقف لم يكن لطيفًا.

لقد كان كسر التركيبة حدثًا مزعجًا في بدايته، لكنه انتهى بأن منحني تجربة إنسانية ومهنية راقية، وأعاد إلى نفسي كثيرًا من الثقة؛ ليس فقط في مؤسسة طبية بعينها، بل في قيمة المسؤولية والإتقان حين يقترنان بالإنسانية.

إذا كان هذا هو مستوى المسؤولية والاحترافية والمهنية عند وقوع الخطأ، فلا يسعني إلا أن أتخيل كيف يكون مستوى الإتقان حين تسير الأمور كما ينبغي.

شكرًا لكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى