
رسالة إلي الحاضر الغائب
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إلى ذلك القابع خلف ستائر الصمت، يامن يمرُّ على أحرفي بوجل، ويقرأ نبض قلبي في سطوري ويعلم يقيناً أنه هو المقصود بكل فاصلةٍ ونقطة.. أكتب إليك.
أعلمُ تماماً أنك تراقبني من ذاك المدى البعيد، تتأملني بصمتِ العارفين، وتقتفي أثر خطاي بقلبٍ يملؤه التردد. أعلم أنك تأتي في كل ليلة، حين يهدأ الضجيج وتنام العيون، تتسلل كخيطِ فجرٍ رقيق إلى عالمي الخاص، تطوي المسافات الافتراضية لتصل إلى صفحتي، تقرأ آخر ما جاد به قلمي، وتتفحص ملامح كلماتي بحثاً عنك بين ثناياها. ترحل في كل مرة دون أن تترك خلفك تعليقاً يشي بوجودك، أو كلمةً تكسر حاجز الجليد، أو حتى أثراً صغيراً يثبت عبورك.. لكنك تغيب عنك حقيقة واحدة؛ وهي أن صمتك ليس كافياً للتخفي، فرائحة عطرك، ذاك العبق الذي يسكن ذاكرتي، يملأ المكان من حولي فور حضورك، ويشي بمرورك العذب الذي لا يخطئه قلبي.
أراقبك وأنت تراقبني من هناك، من تلك الزاوية القصية التي اخترت الوقوف فيها. إن المسافة التي تفصل بين عالمي وعالمك تشبه تماماً تلك المسافة المعقدة والوعرة التي تفصل بين نبض قلبك ومنطق عقلك؛ تلك المساحة الفاصلة بين رغبتك في الاقتراب ورهبتك من الانكسار. أراك تخشى على نفسك من البقاء في حياتي، تخاف أن تجرفك أمواجي إلى حيث لا عودة، وتحسب أن البعد أمان لروحك.. وما أجهلك بحقيقتي! فأنت لا تعلم، أو ربما تتجاهل، أنني لست مجرد عابرٍ في طريقك، بل أنا الحياة التي تفتقدها، والوطن الذي تبحث عنه في منافيك.
أعترف أنني وقفت طويلاً أحاول فهمك، وأسعى لفك رموز صمتك المريب وتناقضاتك التي لا تنتهي، لكنني اليوم كففت عن المحاولة. لم يعد يعنيني أن أحل ألغازك، أو أن أفسر سبب هذا الهروب المستمر نحو البعيد. لذلك، سأكتفي بأن أخبرك شيئاً واحداً، ضعه تميمةً في عنق أيامك
يكفيني من هذا العالم كله أنك تسكن قلبي، وأن طيفك لا يغادر مخيلتي. اذهب حيث شئت، وابقَ بعيداً كما رغبت، لكن رجائي الوحيد.. أن تكون بخير لأجلي.





