أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنوننثر

خديعة الوقت: هل نملك فرصة لقول كل شيء

سباق مع الظل: هل نبوح الآن أم ننتظر “غداً” الذي قد لا يأتي؟

بقلم باهر رجب

في زحام الحياة، نؤجل الكثير من الأشياء. نؤجل شراء معطف، نؤجل رحلة مؤجلة أصلا، و نؤجل -بكل سذاجة- تلك الكلمات التي تسكن أعماقنا. نهمس لأنفسنا: “ليس الآن، غدا سأخبرها بكل شيء”، لكنّ “غدا” كائن مراوغ، لا يملك أحد منا عقد ملكيته. ومن هنا يولد الرعب الإنساني الأكبر، ليس من الموت كفكرة بيولوجية، بل من الموت كجدار صلب يرتفع فجأة بيننا وبين كلمات لم تقل بعد.

سياط الندم: عندما يسبقنا الرحيل

ماذا لو متنا قبل أن نقول كل شيء؟ هذا التساؤل ليس مجرد رفاهية أدبية، بل هو طعنة في خاصرة الوجود. إن الكلمات العالقة في الحناجر تتحول مع الوقت إلى حطام يسكن الروح. نمشي في الشوارع ونحن نحمل بداخلنا رسائل “لم ترسل”، و اعتذارات لم تجد طريقها للشفاه، واعترافات بالحب خنقها الكبرياء أو الخجل.

إن الموت قبل البوح هو انحباس أبدي للقصة. فكل حكاية ناقصة هي شبح يطارد الذاكرة. نحن لا نخشى الموت لذاته بقدر ما نخشى تلك “النهايات المفتوحة” التي تترك من خلفنا في حيرة من أمرهم، يتساءلون: “ماذا كان يقصد؟” أو “هل كان يحبني حقا؟”.

الطرف الآخر من المأساة: رحيل المستمع

أما الوجه الآخر للعملة، فهو الأكثر إيلاما: ماذا لو مات الذين نريد أن نقول لهم كل شيء؟ هنا تنقلب الآية، ويصبح البقاء هو العبء. أن تملك الكلمة والشجاعة والنية، لكنك لا تملك “الأذن” التي كانت وعاء لسرك.

حين يرحل أولئك الذين ادخرنا لهم تفاصيلنا، تصبح لغتنا يتيمة. فجأة، ندرك أن القيمة لم تكن في الكلام ذاته، بل في ذلك الشخص الذي يفهم نبرة صوتنا، ويقرأ ما بين سطورنا. رحيلهم يعني أن جزءا من تاريخنا الشخصي قد دفن معهم، وأن هناك جملة لن تكتمل أبدا، مهما حاولنا تدوينها أو صراخها في العراء.

اقتصاد العواطف: فخ التأجيل

نحن نعيش في “فخ الأمان الكاذب”، نتخيل أن الأحبة باقون، وأننا مخلدون بما يكفي لترتيب الفوضى العاطفية في وقت لاحق. لكن الحقيقة هي أننا نعيش في “زمن استعار”، وكل لحظة صمت هي مقامرة بخسارة أبدية.

في رسائل “الواتساب” التي لم تقرأ، وفي سجلات المكالمات التي توقفت عند تاريخ معين. هؤلاء الذين رحلوا قبل أن نقول لهم “شكرا”، “آسف”، أو حتى “أحبك”، تركونا نقتات على الفراغ.

في مديح العفوية والبوح

إن النجاة من ثقل الكلمات تكمن في البوح المستمر. ألا نترك للشمس أن تغيب وفي جعبتنا شىء  لم يخرج، أو مودة لم تجد طريقها للتعبير. الحياة أقصر من أن تقضى في صياغة الجمل المثالية. فالكلمة الصادقة، حتى لو كانت متعثرة، خير من صمت مطبق تفرضه القبور.

علينا أن نتعلم كيف نفرغ حقائبنا الوجدانية أولا بأول، ليس لأننا متشائمون حيال الموت، بل لأننا نحترم الحياة و نقدر قيمة “الآن”. فالموت الحقيقي ليس في توقف النبض، بل في بقاء القلب ممتلئا بكلمات لم تجد من يحتضنها.

ختاما..

إن العزاء الوحيد في مواجهة احتمالية الرحيل المباغت هو أن نكون قد تركنا أثرا من لغتنا في قلوب من نحب، أن نكون قد قلنا ما يكفي ليعرفوا من نحن وماذا نكن لهم. فليكن كلامنا اليوم هو وصيتنا، وليكن صدقنا هو جسر العبور فوق هوة الفقد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى