الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

حضن إيجار.. للعودة

حضن إيجار.. للعودة

بقلم / أحمد جابر قلاش

ماذا يحدث للإنسان حين يصل إلى النقطة التي لا يعود فيها قادرًا على الرجوع؟
تلك النقطة التي يصبح بعدها كل شيء مختلفًا؛ ملامحه، صمته، طريقته في النظر إلى الأشياء، وحتى قدرته على تفسير أفعاله. هناك لحظة لا يعود الإنسان فيها كما كان، لا لأنه أراد أن يتغير، وإنما لأن شيئًا في داخله انكسر، ثم مضى بعيدًا دون أن يخبره إلى أين.
وعندما يدخل الإنسان منطقة اللاعودة، يصبح التكهن بأفعاله أمرًا شديد الصعوبة؛ فقد يفعل ما لم يكن يتخيل يومًا أنه قادر على فعله، ويبتعد عن أشياء كانت يومًا جزءًا من تكوينه، ويبحث عن أي باب يخرجه من نفسه، حتى لو كان الباب يقوده إلى المجهول.
لكن الغريب أن الإنسان، مهما ابتعد، يظل بداخله خيط رفيع يشده إلى صورته الأولى.
قد لا يعيده إليه العقل، فقد يكون العقل هو أول من خانه في تلك الرحلة، وقد لا تعيده النصائح، لأن بعض الجروح لا تفهم لغة النصائح، ولا تعيدها المواعظ، لأن القلب حين يتعب لا يبحث عن تفسير لما حدث، بل يبحث عمن يحتمل معه ما حدث.
وهنا يأتي الحضن.
ليس الحضن مجرد ذراعين يلتفان حول جسد؛ إنه وطن صغير مؤقت، تُرفع فيه الحواجز، وتسقط الأقنعة، ويستعيد الإنسان حقه في أن يكون ضعيفًا دون أن يخجل من ضعفه.
وربما لهذا يصبح أحيانًا حضن حبيب أكثر قدرة على إنقاذ الإنسان من ألف كلمة.
حضن لا يسألك: لماذا فعلت؟ ولا يقول لك: ألم أقل لك؟ ولا يفتح دفاتر أخطائك ليقرأها أمامك.
فقط يضمك.
وكأن الجسد يقول للجسد:
عد… فما زال لك مكان هنا.
ومن هنا جاء اسم «حضن إيجار»؛ لأن بعض الأحضان لا نملكها، وإنما نعبر إليها حين تضيق بنا الحياة، نستأجر منها لحظات قليلة من الأمان، ثم نعود إلى العالم محملين بقدرة جديدة على الاحتمال.
لكن المفارقة أن الحضن الذي نظنه مستأجرًا قد يقودنا في النهاية إلى وطننا الحقيقي.
فحين يعود الإنسان إلى حضن من يحب، قد لا يكون عائدًا إلى شخص فقط، بل إلى نسخة قديمة من نفسه؛ إلى الرجل الذي كانه قبل أن تجرحه الأيام، إلى الطفل الذي لم يكن يعرف الخوف، إلى القلب الذي كان يصدق دون حساب، وإلى الروح التي لم تكن مضطرة كل صباح إلى ارتداء درعها.
وربما لهذا كانت العودة إلى حضن الوطن شبيهة بالعودة إلى حضن الحبيب.
فالوطن لا يسألك أين كنت حين ضعت، ولا يحاكمك على المسافات التي قطعتها بعيدًا عنه؛ يكفي أنك عدت.
تدخل حدوده مثقلًا، فيستقبلك برائحة ترابه، بوجوه أهله، بضجيج شوارعه، بذكرياتك التي ظننت أنك تخلصت منها، فتكتشف أن بعض الأماكن لا تغادرنا مهما غادرناها.
الوطن أيضًا حضن.
وربما نحن جميعًا، مهما ادعينا القوة، نقضي أعمارنا في البحث عن حضن لا نخاف داخله من أنفسنا.
حضن نستطيع أن نخلع عند بابه كل ما ارتديناه من قسوة، وأن نترك تعب السنوات على عتبته، ثم ندخل كما كنا ذات يوم.
لذلك قد لا تكون المشكلة أن الإنسان وصل إلى اللاعودة…
ربما المشكلة الحقيقية أنه لم يجد بعد الحضن الذي يعرف الطريق إلى قلبه.
فبعض البشر لا يحتاجون إلى من ينقذهم من العالم، بقدر ما يحتاجون إلى يد تمسك بهم للحظة، وحضن يقول لهم دون كلمة:
ما زال بإمكانك أن تعود.
وما أجمل أن يعود الإنسان…
إلى نفسه،
إلى من يحب،
إلى بيته،
ثم إلى وطنه.
فالحضن الحقيقي لا يحتفظ بك داخله إلى الأبد؛
إنه يعيدك إلى الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى